ومن ذلك كلّه يتّضح أنّ معظم أسباب الاختلاف في أحكام الفروع الفقهيّة، وبعض توجيهات الآيات القرآنيّة قائمٌ على أساسٍ نحويٍّ، وقد أشار إلى ذلك الزّمخشريّ، في قوله: «ويرون الكلامَ في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيًّا على علم الإعراب، والتّفاسيرَ مشحونةً بالرّوايات عن سيبويه والأخفش والكسائيّ والفرّاء وغيرهم من النّحويّين البصريّين والكوفيّين، والاستظهار في مآخذ النّصوص بأقاويلهم، والتّشبّث بأهداب تأويلهم، وبهذا الّلسان مناقلتهم في العلم ومحاورتهم وتدريسهم ومناظرتهم، وبه تقطر في القراطيس أقلامهم» [1] ؛ ممّا يدعو للرّجوع إلى الّلغة رجوعًا كلّيًّا في توجيه قصدِ الإنسان لإصدار الحكم الشّرعيّ على تصرّفه [2] ، ويوضّح مدى التّلازم أو التّآخي بين علوم الّلغة العربيّة وعلوم الشّريعة الإسلاميّة عامّة، وعلوم القرآن خاصّة، حتّى غدا كلّ ُواحدٍ لا يتمّ إلاّ بالآخر، وهذه لحمةٌ أكّدها افتقار كلٍّ إلى الآخر؛ إذ لا يستطيع دارس علوم القرآن أَنْ يفيدَ منها-كما ينبغي-إلاّ بعد درسِ العربيّة وعلومها المختلفة، في حين لو تخلّت علوم العربيّة عن القرآن أو نأتْ، لتحولت جُثَّةً هامدةً، ولفقدت روحها الفاعلة وما فيها من مقوماتٍ أسلوبيّةٍ وبيان ناصع.
وعليه فالتّخلّي عن الإعراب-كما يقول الدّكتور مازن المبارك-في لغةٍ تعتمد حركات الإعراب للتّعبير عن المعاني النّحويّة كالّلغة العربيّة:«هدمٌ لها وإماتة لمرونتها، وإنّ في ترك حركات الإعراب إلباسًا لكثير من الجمل والتّعبيرات، لباسَ الإبهامِ والغموض... إنّ كثيرًا من الجمل تضيع معانيها بضياع الإعراب فيها،
(1) الزّمخشريّ، أبو القاسم، المفصّل في علم العربيّة، ط2، دار الجيل، بيروت، د.ت، ص3.
(2) الأسنويّ، جمال الدّين، الكوكب الدّريّ في تخريج الفروع الفقهيّة على المسائل النّحويّة، ص10.