ومَنْ ذا الذي يستطيعُ أَنْ يقرأَ من غير إعرابٍ، فيفهمَ مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [1] ، وقولنا: ما أحسن زيد...» [2] .
فَمِنْ تلك الجولةِ العجلى، يتّضحُ لنا شدّة ارتباط النَّحْو بالدّلالة، والإعراب بالمعنى، وهذا ما سنسعى إلى تأكيدِهِ، من خلال الوقوف على بعض الآيات القرآنيّة التي تتعدّد معانيها وتتنوّع دلالاتها بتعدّد أعاريبها، وتنوّع وجوهها النّحويّة، مبرزين أثر الاختلاف في الأوجه الإعرابيّة في تفسير الآيات القرآنيّة في ذلك كلّه؛ إذ إنّ اختلاف النَّحْويّين في إعراب آيةٍ ما يؤدّي -من غير شكٍّ- إلى اختلاف في معناها؛ ولعلّ في ذلك أكبرَ دليلٍ على أنّ النَّحْوَ مفتاحُ المعنى، وأنّ الإعرابَ سبيلُ الفهمِ، وأنّ أيّةَ دعوةٍ لإلغائهما أو إلغاء أحدهما تؤثّر بشكل فعّال في إغلاق الأفهام عن تدّبر معاني القرآن، وتسير بالنّحو إلى المكان الذي لا يريد، وتلغي غاية وضعه الأولى، وهي حفظ القرآن الكريم من الّلحن والضّياع.
أنواع الاختلاف:
إنَّ معرفةَ الإجماع ِواختلافِ العلماءِ، ضرورةٌ لابدَّ منها لكلِّ مَنْ قاده بحثُهُ لتدبّرِ طبيعة النظام التركيبيّ، والعناصر التي يتشكّل منها، من حيث الأسس التي تحكمها، والمعاني التي تتمثّل بها.
(1) سورة فاطر، الآية 28.
(2) المبارك، د. مازن، نحو وعيٍ لغويٍّ، ط4، دار البشائر، دمشق، 1424هـ-2003م، ص77.