أمّا الإجماع، فمصدر من مصادر التّشريع، لا يجوز مخالفتُهُ على قولِ العلماء، إذا قامتِ الحجّةُ بأنّه إجماعٌ تامٌّ [1] ؛ لأنَّ الأمّةَ لا تجتمعُ على خطأ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَجْمَعُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى ضَلالَةٍ أَبَدًَا» [2] .
وأمّا الاختلاف بينَ الأئمّةِ العلماءِ، فمضبوطٌ بقواعدَ وأصولٍ ومقاييسَ وعللٍ، تقوم على المنطق والحجّة والبرهان؛ ومرسومٌ بشروطٍ علميّة ٍوأخلاقيّة ٍونفسيّةٍ وجغرافيّةٍ؛ لئلاّ يضرّ بأساس المشروع الاجتماعيّ له، المتمثّل في بناء المجتمع الإنسانيّ، والمشروع العلميّ، والروحيّ، وفي محاكاة النّصوص، واستنباط ما أمكن من معانيها المتنوعة. ولابدَّ من الإشارة-قبل أَنْ نبحثَ في أهمّ أسباب الخلاف بين النّحويّين في استنباط قواعدهم النّحويّةِ-إلى أنَّ الاختلافَ نوعانِ:
نوعٌ مذمومٌ: وهو ما كان نتيجةً للهوى وحبِّ الشهرة ِومجرّدِ المزاحمةِ، بغير منطقٍ ولا حجّةٍ إلا ّواهية، وهذا ليسَ موضوعَ بحثِنا.
ونوعٌ آخرُ محمودٌ: وهو ما كان نتيجةً للاجتهادِ المنضبط بجميع مستوياته، الموصلِ إلى الحقائقِ المكنونةِ بالحجّةِ الدّامغةِ والبرهانِ السّاطعِ والقولِ القاطعِ، وهو وجهةُ بحثنا، والطريقُ الذي نسير عليه للوصولِ إلى المعاني المتعدّدة بتعدّد الأوجه الإعرابيّة.
الإعراب، والعلامة الإعرابية، وأثرهما في تنوّع المعاني:
(1) ابن الحسين، أبو عبد الّله، رحمة الأمّةِ في اختلافِ الأئمّةِ، ضبطه محمّد عبد الخالق الزّناتي، ط1، دار الكتب العلميّة، بيروت-لبنان، 1424هـ-2003م، ص5.
(2) النّيسابوريّ، الحاكم، المستدرك على الصّحيحين، ج1، دار المعرفة، بيروت-لبنان، د.ت، ص115.