... ومما ينبغي التَّنَبُّه له في شعر المقدسي رمزية أغراضه الشعرية المختلفة؛ ففي خمرياته التي يغصّ بها ديوان شعره ومؤلفاته الأخرى؛ إنما كان يرمي إلى أذواق صوفية، وتجليّات روحانية، ولا يجوز صرفها في حال من الأحوال إلى الخمرة الحسية؛ فالمقدسي كان واعظًا صوفيًا زاهدًا، لم يقدح في سيرته وعدالته أحد، ولم يَرِد عنه أنه كان سكّيرًا، يعاقر الخمر مع ندمان اللهو والطرب، وهذا واضحٌ في قوله:
بالله يا ساقيَ الكاسات غنّ على ... كاسي وطاسي وجُلاّسي ونُدماني
حديثها من قديم العهد في أذني ... فخلِّني من حديث الحادث الفاني
بذوقها مُزِجت روحي بها ودمي ... فهي التي لم تزل روحي ورَيحاني [1]
... فخمر الرجل، كما يشير بقوله: ( حديثها من قديم العهد.. ) هي خمر روحية قديمة، تعود إلى عهد ( ألست بربكم قالوا بلى ) [2] وهو ما يُعرف بعالم الذرّ، حين أحضر الله أرواح الخلائق وأشهدهم على أنفسهم، فأقرّوا له بالربوبية، ولأنفسهم بالعبودية، وبتذكّر ذلك العهد تنتشي أرواح المحبين، فتغيب بهم عن عالم المحسوسات، وهو ماأشار إليه الشاعر بقوله: ( فخلّني من حديث الحادث الفاني ) .
... وفي أشعاره التي أجراها على أَلسُن الحيوان والطير والنبات وغيرها من الكائنات، إنما كان يرمز إلى أمور إنسانية بحتة. ويبدو ذلك جليًا في هذا الحوار اللطيف الذي يديره بين الورد والبان:
وَرَدَ الوَردُ بشيرًا بالذي ... فيه من لطفِ المعاني قد حوى
فانثنى البانُ له مُنعطفًا ... ناشقَ النشرِ الذي فيه انطوى
مالَ يشكو أهيفُ القَدِّ له ... فَرْطَ ما يلقاه من جَوْر الهوى
فرثاه الورد إذ قال له: ... نحن خِلاّن تَساهَمْنا الجوى
فأنا أنتَ كما أنت أنا ... نحن في المعنى جميعًا بالسّوى
(1) 23) الديوان / 154.
(2) 24) الأعراف / 172.