الصفحة 9 من 18

... وقد يُعييه إعراضُ الناس وانصرافُهم عن طريق الخير، فيُبدي اليأس من صلاحهم ورجوعهم إلى جادّة الحقّ؛ يقول:

نحن في قومٍ تَمادى غيُّهم ... قَطُّ ما أفلحَ فيهم من نَصح [1]

ما احتيالي في قلوبٍ قد قَست ... والهوى أفسدَ منها ما انصلَح

... ولئن كان الوعظ الصوفي محورًا في كثير من أشعار المقدسي، فإن هناك مَحاورَ أخرى طالما كانت مرتكزًا لأشعاره وقصائده؛ ومن أهمها الحب الصوفي، الذي شغل حيزًا واسعًا في ديوانه وأشعاره، وقد آثرنا أن نفرده بالحديث في مقالة مستقلة، لأنه الغرض الأهم في شعر الرجل.

الرمز الصوفي:

... اختار المقدسي أساليب رمزيةً للتعبير عن معانيه وأفكاره، شأن أضرابه من المتصوفة، بيدَ أن شاعرنا كان يجنح في رمزه - غالبًا - إلى الشفوف، وكأنه أراد لمعانيه أن تكون قريبة المأخذ، سهلة المتناول لسامعيه وقرائه على اختلاف طبقاتهم، فلم يوغل في الغموض كابن سبعين وابن عربي ومن جرى مجراهم.

... ولئن كان الرمز هو الأسلوب المفضل، أو- بعبارة أخرى- هو التقليد المتَّبع لدى عموم الصوفية، في نثرهم وشعرهم على حدّ سواء، فقد أخذ الرمز - لدى المقدسي - أشكالًا متعددةً، قد لا نجد بعضها لدى غيره من شعراء الصوفية وأقطابهم البارزين. ولا عجب في هذا؛ فالمقدسي كان مولعًا بتنويع أساليبه النثرية والشعرية على وجه العموم. وقد رأينا في كتابه"كشف الأسرار"كيف أنطق الكائنات بأصنافها، وجعل منها رموزًا، وأجرى على أَلسنتها حِكمًا وإشاراتٍ. وأن كتابه"الفتوحات الغيبية في الأسرار القلبية"هو حوار رمزي بين عناصر الخير وعناصر الشرّ الكامنة في النفس البشرية. أما كتابه"تفليس إبليس"فما هو إلا مناظرة رمزية بينه وبين الشيطان.

(1) 22) الغيّ: الضلال والخَيبة. ديوان المقدسي / 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت