الصفحة 8 من 18

... ولعلّ خيرَ مثالٍ لهذا اللون الوعظي، ذي الأثر البالغ في النفوس، هو رائيته التي مطلعها:

استغفرُ الله من علمي ومن عملي ... ومن صلاتي وتسبيحي وتذكاري [1]

... إذ يتبرأ الرجل من طاعاته وعباداته، مستغفرًا ربّه منها، وكأنها ذنبٌ أو إثمٌ يستحق عليه العقاب، لا عملٌ صالحٌ يرجو به الثواب، وذلك لما يستشعره من نقصٍ في الخشوع، وغياب عنصريّ الصدق والإخلاص، اللذين هما أساس القبول لكل عمل صالح، أو قُربةٍ يتقرّب بها الإنسان إلى ربِّه:

إني أعُدّ صلاتي أينما بُنِيَتْ ... على شَفا جُرُفٍ في النار مُنهارِ

كيف الخلاصُ إلى الإخلاصِ في عملي ... وكم أُرائيهِ في سرّي وإجهاري

... ويحسن أن نشير هنا أيضًا إلى جانب ذي أهمية، في شعر المقدسي ونثره على حد سواء، هو الجانب التربوي؛ فقد رأى رجال الإصلاح من المتصوفة أن الفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وأن صلاح المجتمع الإنساني لايتم إلا بإصلاح الفرد وتقويمه، ومن هنا كثر حديثهم عن النفس البشرية ونزواتها، وعللها وطُرق علاجها، وترويضها، بما يتفق مع مقاصدهم وأهدافهم في الحياة. ويبدو هذا جليًّا في شعر المقدسي؛ فالتصوف إنما هو تطهير النفس من أدران الكِبْرِ والعُجبِ وسائر الصفات الذميمة، يقول:

بالذَّوق والشوق نالوا عزة الشَّرفِ ... لا بالدُّلوق ولا بالعُجب والصَّلَفِ [2]

ومَذهبُ القوم أخلاقٌ مُطهَّرةٌ ... بها تخلَّقت الأرواح في النُّطَفِ

صبرٌ وشكرٌ وإيثارٌ ومَخمصَةٌ ... وأنفسٌ تقطعُ الأنفاسَ باللَّهفِ [3]

(1) 19) الديوان / 95.

(2) 20) الدُّلوق: ج دَلَق، وهي الفَروة، أي الجبّة المصنوعة من الفرو. وقيل: دُوَييِّة نحو الهرّة طويلة الظهر، يعمل منها الفرو، معرَّب ( دَلَه ) . الإفصاح في فقه اللغة 2 / 830. وديوان المقدسي / 108. والصَّلَف: التكبّر ومجاوزة حدّ الظرف.

(3) 21) المَخمَصة: المَجاعة، وهي مصدر كالمَغضَبة والمَعتَبة. واللهَف: الحزن والتحسُّر والتلهُّف على الشيء. ديوان المقدسي/119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت