بلّغوا أحباب قلبي ... دائمًا عني السلاما [1]
... وغير ذلك. . وهذا دليلٌ على حيوية شعر المقدسي، وقبوله لدى طبقات الناس المختلفة.
الأغراض الشعرية:
... ينبغي ألاّ يغيب عن أذهاننا - هنا - نعت ( الواعظ ) الذي كان ملازمًا اسم المقدسي في كل ما كُتب عنه من تراجم، بل في أكثر مخطوطات كتبه التي رجعنا إليها، أو ورد ذكرها في فهارس المكتبات العامة، فقد كان معروفًا بين أهل زمانه بهذه الصفة، وقولهم:"واعظ"في تلك الأزمان يعادل قولنا:"مصلح اجتماعي"في هذا الزمان، بيد أن الأولى تُضفي على صاحبها صبغةً دينيةً خاصّةً، ولا يُشترط ذلك في الثانية؛ ومن هنا فإن شعر المقدسي يُعدُّ عينةً من أدب الوعظ والإصلاح الاجتماعي، الذي ساد في تلك الفترة العصيبة من حياة أمتنا، الملآى بالاضطراب والفوضى.
... ولعلّ هذا الجانب الواسع من تراثنا؛ أعني"أدب الوعظ"لم يَحْظ َ- حتى أيامنا هذه - بدراسة وافية جادّة، مع أهميته ومكانته الأصيلة في أدبنا العربي، ووفرة الأدباء الواعظين الذين كانت لهم مواقف نبيلة مشرّفة في تاريخ أمتنا، كما أن لهم مؤلفاتهم ومصنفاتهم، ذات القيمة التي لا تُنْكَر في مكتبتنا العربية [2] . وقد أوضحنا في دراسة سابقة أن ابن غانم كان متأثرًا في أغراضه الوعظية بابن الجوزي، ولاسيما كتابه المدهش، ولئن كانت الأغراض الوعظية والأهداف الخُلقية تتجلّى في مؤلفات المقدسي بعامة - وفي خُطبه على نحو أَخصّ - فلا بِدْعَ أن يكون الوعظ أيضًا من أبرز الأغراض الشعرية لديه، بل يصرح الشاعر علانيةً بأنّ من لم يتذوَّق حلاوةَ وعظه، ويتفهم أسرارَه وإشاراتِه، فهو عليلُ القلب، غارقٌ في بحار الهوى:
أنا وَعظي ليس يحلو ذوقُه ... لمريضِ القلبِ للّهوِ جَنَح
لا ولا يدري خفايا نُكَتي ... غيرُ قلبٍ بزنادي قَد قَدَح [3]
(1) 16) ديوانه / 129.
(2) 17) كالشيخ أحمد الرفاعي، والجنيد، وابن الجوزي، وابن القبم الجوزية، وغيرهم.
(3) 18) الديوان / 79,