... ولم يقف الأمر بالأديب والمؤرّخ المعروف"ابن الوردي" [1] عند تقليد المقدسي واقتفاء أثره، وإنما عمد إلى كتابه الموسوم بـ"كشف الأسرار"فاختصره، وأجرى عليه تعديلات بسيطة، ونسبه إلى نفسه، وسمّاه"منطق الطير"دون أن يذكر الأصل الذي استقى منه، ومن المستغرَب أن يصدر مثل هذا عن ابن الوردي [2] ؛ وهو معدود في المبرزين من أعيان القرن الثامن للهجرة، ولكن في الأمر- بطبيعة الحال - ما يدلّ على مكانة المقدسي وجلالة قدره.
... كثيرون أيضًا هم الذين أفادوا من شعر المقدسي وحِكَمه وأقواله، واستشهدوا بها في مؤلفاتهم؛ كالأبشيهي [3] والدميري [4] ومن المؤسف أن بعضهم كان يورد أشعار المقدسي وأقواله دون أن يذكر اسمه، مكتفيًا بالقول: قال أحدهم، وأحسن من قال، وما شابه ذلك ... وهذه ظاهرة من مظاهر ضعف الرواية الأدبية، كانت شائعة في أدبنا القديم.
... ليس هذا وحسب، بل كان لأشعار المقدسي سيرورتها في أوساط العامة حتى أيامنا هذه، فنحن مازلنا نسمع بعضًا من قصائده وأشعاره، يرددها الصوفية والوعاظ في مجالسهم، ويشدو بها المنشدون في احتفالاتهم وأذكارهم؛ حتى إننا كنا نسمعها - أحيانا - على ألسن بعض المؤذنين ينشدونها قبل الأذان، فيما يعرف بالتذكير، كقصيدته التي مطلعها:
على أبوابكم عبدٌ ذليلُ ... عزيزُ الصبر ناصرُه قليلُ
له أسفٌ على ما فات منه ... وحزنٌ من صدودِكمُ طويلُ [5]
... والتي مطلعها:
أيها الرَّكْبُ إذا ما ... جئتمو تلك الخياما
(1) 11) هو عمر بن مظفر بن الوردي / 691- 749 هـ / ولد في معرة النعمان، وولي القضاء بمنبج، وتوفي في حلب، له ديوان شعر ومؤلفات أخرى متنوعة. ترجمته في الدرر الكامنة، ابن حجر 3/195. والأعلام، الزركلي 5/ 67 ومعجم المؤلفين، كحالة 8/ 3.
(2) 12) سنعرض لهذه المشكلة بالتفصيل في وقت لاحق.
(3) 13) المستطرف، الأبشيهي / 350 /
(4) 14) حياة الحيوان الكبرى، الدميري 1 / 373 و 437 و2 / 92.
(5) 15) ديوان المقدسي / 143.