كم رُمينا في لظى نارٍ فلا ... صاحبي ضلَّ، ولا قلبي غَوى [1]
... وأما الغزل والحب والأشواق التي يتحدّث عنها في شعره، فهي أبعد ما تكون عن المقاصد الدنيوية والغايات البشرية؛ إنها ترمز إلى حبٍّ روحيّ سرمديّ، هو حب الحقيقة المطلقة، وهذه مقطوعة رمزية شفافة، يتغزل فيها بالذات الأزليّة العَليّة، مشيرًا إلى ما يعرف بمقام الفناء في الذات، أو مقام الشهود:
ومخطوبةِ الحسنِ محجوبةٍ ... ولا تَألفنَّ سوى إِلْفِها
إذا ما تجلَّتْ على عاشق ... وأَهدتْ إليه شذى عَرفِها
تغيبُ الصفاتُ وتَفنى الذوَا ... ت ُبما أبرزَ الحُسنُ من لُطفها
فإن رامَ عاشقُها نظرةً ... ولم يستطع إذ عَلا وَصفُها
أعارته طَرْفًا رآها بهِ ... فكانَ البصيرَ لها طَرْفُها [2]
... وفي النص الرمزي نجد أنفسنا حيال مستويين من الفهم: مستوى حرفي، وآخر رمزي. المستوى الحرفي قد نصل إليه بشيء من الخبرة اللغوية، ولكننا لن نلامس شيئًا مما ينطوي عليه النص من معانٍ وأسرارٍ، أما على المستوى الرمزي فنحن في حاجة إلى تأمل طويل في أبعاد النص، واستنطاق ألفاظه، واستقصاء دلالاته، والغوص وراء أسراره.
تقَمُّص الشخصيات:
... من الألوان المتميزة في شعر المقدسي تلك القصائد التي تحدّث فيها على ألسن الآخرين، فهو يتقمّص شخصيةَ صحابيٍّ، أو تابعيٍّ جليلٍ، أو عَلَم من أعلام الزهد والتصوف، فيتحدث على لسانه، ويقول الشعرَ معبّرًا عن حال المذكور، ومقامه، وما لديه من أسرار وشمائل. ونجد من هذا الصنف في ديوانه قصيدةً نظَمها على لسان الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، تقع في ستة وأربعين بيتًا [3] ، وأخرى تبلغ خمسة عشر بيتًا [4]
(1) 25) كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار، المقدسي /49. والبيت الأخير فيه اقتباس من الآية الكريمة { ما ضلَّ صاحبُكم وما غَوى } النجم / 2.
(2) 26) ديوان المقدسي / 158 وحلّ الرموز، المقدسي / 20.
(3) 27) ديوانه / 134.
(4) 28) ديوان المقدسي / 133.