الصفحة 20 من 32

أمّا الألوان المُصرَّح بها في المثال الأول، فلا يمكن النظر إليها على وجه الحقيقة، لأنها وردت في سياقها للتدليل على معان اكتسبتها بفعل تواضع الناس عليها وتوافقهم، فذكره اللون الأحمر دلالة استشهاد وتضحية واللون الأخضر دلالة نقاءٍ وطهارة. ويبقى اللون الأسود كامنًا في الليل، يعكس كآبة نفس الشاعر وحزنه جرّاء المصاب الجلل.

ما سلف لا يعني عدم إمكانية وجود أملٍ يتعلق به أبو تمام، ويخرج بفضله ممّا ألمَ به، فإن كانت الصور الثلاث الأولى المرتبطة بالحياة الأرضية:"نسج ردائه، أكفانه الأجر، ثياب الموت"رموزًا لمعنى واحدٍ هو الفضيلة أو ربّما الطهارة فإنّ"الصورة الرابعة رمزٌ إلى حياة الأبرار الصالحين المتسربلين بلباس المجد والبقاء. وهكذا تصبح حياة الإنسان الآخرة استمرارًا لحياته الدنيوية" [1] ويقصد الدكتور كبابة بالصورة الرابعة"ثياب الموت. .. من سندسٍ خضرُ".

وعن الهلال نقول: صحيحٌ أنه يوحي بالحسن أو بالنور، ويستحضر إلى الذهن ألوانًا تناقض اللون الأسود، ومن ثم تختلف دلالة الهلال عمّا قد أشرنا إليه آنفًا، لكنّه يبقى مرتبطًا بالليل، والليل مصدرٌ رئيسٌ للسواد، وربّما من حيث الزمن هو مبعث تأمّلٍ وحيرةٍ وحزن، فضلًا عن ذلك ورد الهلال في المثال الثاني مكسوًّا بثوبٍ من التراب، فذهبت ألوانه وتبددت أنواره، لتتحول اللوحة بأكملها وعلى تعدد عناصرها إلى كتلةٍ من الرموز، حيث الهلال رمزٌ للجمال، وثوب التراب رمزٌ للموت، وأمّا ثوب الحزن والأسى فهو رمزٌ مباشرٌ تمَ إسقاطه على حالِ المتكلم الشاعر"ألبسني".

(1) ـ كبابة، د. وحيد صبحي، الصورة الفنية في شعر الطائيين بين الانفعال و الحس ـ ص 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت