فهرس الكتاب
تتمكّن من أبي تمام المشاعر ذاتها في غرض الغزل، وهو بعيدٌ عمّن يحبُّ ويهوى. تارةً يجد نفسه عاريًا، حيث لم يستطعِ إخفاء مشاعره، فافتُضحَ أمره، وتارةً أخرى يحاول التستّر على ما حلّ به بفعل الحب مرتديًا قميصَ التأوّه ورداء المرض، حتى كاد المتلقي أن يتخيل ذلك العاشق"أبا تمام"وهو يداري فعلته مشيحًا بوجهه عن الناس، وقد حاول التخفّي مرارًا وتكرارًا فلم يفلح، وكيف له ذلك وهو كما يصف نفسه بنفسه"المحبّ"! حيث لا تزال ثيابه تفضحه"التآوّه، السقام"، وتُفْصحُ للرائي عن أسباب ارتدائه لها.
في المديح"المثال الرابع"يجمع أبو تمام بين بردين"برد ثرى وبرد ثراءِ"، لا ليُظهر قدرته على التجنيس ـ وهو المولع به ـ وحسب، بل ليبالغ في تأثير الممدوح على مدينة"طيبة"وقد ارتدت بفعل عطائه المتجدد ثوب الخصوبة وثوب الترف، والثوبان يرمزان إلى جود الممدوح وسماحة يده، ما يشيع بين الناس ـ وفي مقدمتهم الشاعر ـ أحاسيسَ البهجة والسرور.
الأمر عينه يحدث في غرضِ الهجاء بالنظر إلى دلالة الثوب، حيث نُفاجأ بثلاثة أنواعٍ من الثياب:"ثوب الصدق، ثوب الخسارة، ثوب البطالة"، وهذه الأثواب بدورها تمدُّ المتلقي بأنواع أخرى من الأثواب، ربّما يمكنه إضافة بعضها إلى الكذب، الربح، العمل، ولا سيّما أنّ أبا تمام ينفي من خلال استخدامه الاستفهام بـ"هل"إمكانية بقاء ثوب الصدق على حاله إن أسرف المهجو في تحويره وتبييضه"قصاره".