الصفحة 29 من 32

عاب بعض النقاد عليه استعارته الماء للملام في حين ذهب الآمدي مذهبًا آخر حين قال:"ومثل هذا في الشعر والكلام كثير مستعمل" [1] ، وما قد يُقال على ماء الملام يقال أيضًا على ماء الحياة وماء الحياء، إلّا أنّ رغبة أبي تمام في إسناد الماء للحياة والحياء على حدٍّ سواء لم تتأتّى عن حاجة المعنى لذلك، بل من أجل منح البيت إيقاعه الخاص الذي لا يمكن أن يتمّ إلّا بالمطابقة بين الموت والحياة والمجانسة بين الحياة والحياء، فضلًا عن الترديد الحاصل بين إسنادين أخلّ ثانيهما بالمعنى لحساب اللفظ، ومن ثمّ لحساب الإيقاع، إذ لا حاجة لوجود الحياء إذا لم يقدّم شيئًا جديدًا للمعنى بعد ذكر ثنائية الموت والحياة. والحياء إن كان لابدّ من وجوده فمن قبيل التوشيح [2] فالقارئ للبيت إن كان عارفًا بروي القصيدة لابدّ سيدرك أن لا بديل عن تتمّته بـ"ماء الحياء"، خصوصًا بعد علمه بولع أبي تمام وشغفه بالمطابق والمجانس.

مثلما أكثر أبو تمام من وصفه للثوب أكثر أيضًاَ، من وصفه للماء، فهو تارة العذب وتارة أخرى الآجن الآسن، يقول [3] :

إن ينتحل حدثان الدّهر أنفسكم فالماء ليس عجيبًا أنّ أعذبه ز ... ويسلم الناس بين الحوض والعطنِ يفنى ويمتدُّ عمرُ الآجن الأسنِ ز

(1) ـ الآمدي، الموازنة ـ ص 278.

(2) ـ انظر، العقد البديع في فن البديع، ط 1، الخوري بولس عواد، تحقيق د. حسن محمد نور الدين، دار المواسم، بيروت ـ لبنان، 2000 م / ـ ص 110 ـ التوشيح، وبعضهم يسميه الإرصاد. .. نوع يعز على الكثيرين سلوكه، وهو يدل على تخرّج صاحبه وحسن تصرفه، و وفرة أدبه، وسلامة ذوقه، وحقيقته أن يأتي الشاعر مثل قافية بيته بكلامٍ إذا فهمه اللبيب فهمها بلفظها ومعناها.

(3) ـ التبريزي، شرح ديوان أبي تمام، م4 ـ ص 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت