فهرس الكتاب
إنّه في معرض الرثاء، ولذلك يحاول ضرب الأمثال واستخلاص العبر من خلال استعراضه لمقابلات قياسية، حيث تختار المنية من تشاء، سواءٌ أكان من وقع عليه الاختيار في طور الشباب أم في طور الكهولة، وسواء أكان نزيها عفيفًا كريمًا أم كان قميئًا جاحدًا بخيلًا، ولذلك كان من نوادر القدر رحيل بني حميد إذ هم أشبه بالماء العذب، وبقاء الجبناء المتخاذلين إذ هم أشبه بالماء الآجن الأسن، وكي لا يدنّس الشاعر الماء في مقابلته المعنوية هذه آثر استخدام الصفة في الشطر الثاني من قبيل نيابة الصفة عن الموصوف، من بعد إسناد العمر لها دلالةً على أولئك الباقين.
الخاتمة:
يتّضح لنا ممّا سبق أنّ أبا تمام كان شديد التأثّر بمهنتي"الحياكة والسقاية"، ما أدى إلى انتشار مفردات كلٍّ منهما في تضاعيف الديوان، أيًّا كان الغرض وأيًّا كانت المناسبة، إلّا أنّ إيقاع المهنة بالنظر إلى تأثّره بمادتها وإيقاع القصيدة بالنظر إلى الغرض، غالبًا ما كانا متوافقين متناسبين.
استطاع أبو تمام توظيف إيقاع مهنة الحياكة في خدمة إيقاع الشعر، لذلك جاء التناسب بين مادّة الحياكة وأدواتها وبين مادّة الشعر وأدواته نتيجة طبيعيّة، يبرّرها ما كان من أمر الموسيقا بنوعيها"الخارجية، الداخلية"في النص الشعري، فقد ظهر إيقاع هذه المهنة ـ فضلًا عن غزارة مفرداتها ـ في مادة الثوب وملمسها وحركتها، حيث وردت جميعها متناسبة مع إيقاع النص في حالتي الهمس والجهر بغية تحقيق التوازن النفسي، إذ الشاعر في حالة مصالحة حقيقية مع الذات.