وهذا إذا أردنا أن نبني عليه؛ فإننا نخلص إلى جواب السؤال الذي طرحناه في بداية الفقرة، وهو: ما هي علامة التمييز ؟
إن علامة التمييز هي وقوعه من نكرة أي مجيء العامل في التمييز نكرة، وأما قولك: إنه جاء معرفة في نحو ( ملء الأرض ذهبًا ) ، و ( نعم قومًا معشره ) وكذلك جاء صاحب التمييز المحول في نحو < اشتعل الرأس شيبًا > فالرد عليه: أن التعريف في المثال الأول هو من حيث اللفظ دون المعنى، فالعامل في التمييز ( ملء ) مضاف إلى معرف بـ ( أل ) الجنسية وهذه لا تكسب الكلمة تعريفًا حقيقيًا وقولهم: إن النكرة المنصوبة في ( نعم قومًا معشره ) تمييز لفاعل مضمر في ( نعم ) تقديره هو، وذلك لأنهم رأوا أن المضمر لا يعود إلى مذكور سابق، ومن ثم فالإضمار على نية التفسير وعليه يكون المضمر - في رأيهم - مشابهًا للنكرة؛ لأنه قبل التفسير لا يعرف علام يعود [1] ؟ فقولٌ مردود؛ لأن الشيء إنما يضمر بعد أن يعرف، فلا يحمل الضمير على النكرة البتة [2] .
والصحيح هو الوجه الذي أضعفه ابن عقيل عندما قال"وزعم بعضهم أن"معشره"مرفوع بنعم وهو الفاعل، ولا ضمير فيها، وقال بعض هؤلاء: إن"قومًا"حال" [3] .
إذًا هذا الوجه الذي جعله ابن عقيل مزعومًا هو الوجه الذي يتفق مع العقل ومنطق اللغة؛ لأن الضمير كما ذكرنا هو أقوى المعارف ولا يحمل على النكرة، والعامل في التمييز لا يكون إلا نكرة على خلاف العامل في الحال، فكان ( قومًا ) على هذا الاعتبار حالًا لا تمييزًا، ولكن المعرفة التي يبين هيئتها ليست فاعلًا مضمرًا وإنما هي فاعلٌ ظاهر، فلا إضمار في ( نعم ) أو ( بئس ) في نحو هذا المثال؛ الذي يوافق التمثيل الآتي:
نعم / بئس + نكرة منصوبة + اسم مرفوع
إذ المخصوص هو الفاعل، وبذلك يصبح التمثيل على النحو الآتي:
(1) - ينظر: الكتاب ج: 2, ص 174... 178.
(2) - ينظر: الأمالي النحوية ج: 3, ص 139 - 140.
(3) - ينظر: شرح ابن عقيل ج: 2, ص 171 - 172.