كان اهتمام النّحاة بالقراءات القرآنية جليًا فهم من أخذوا بشروط القراءة المقبولة -غالبًا - ولكنّهم قبلوا القراءة النادرة والشاذة - أحيانًا - بعد أن أخضعوها لمقاييسهم، فهم ـ مثلًا ـ لم يقبلوا"قراءة أحد من القرّاء إلاّ إذا ثبت أخذه عمَّن فوقه بطريق المشافهة والسماع حتّى يتّصل الإسناد بالصحابي الذي أخذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] ."
ومع ذلك وجدتُ ابن الجزري يقبل كلَّ قراءة؛"لأنَّ القراءة سنَّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها" [2] .
ورغم أنَّ سيبويه يخضع أحيانًا القراءات للقياس النحوي، فهو يرى - مثلًا - أنَّ (ما) في قوله تعالى:
{ ما هَذا بشَرًا } [3] عاملة عمل (ليس) في لغة أهل الحجاز، إلاَّ أنّ بني تميم يرفعون الخبر إلاَّ من عرف منهم كيف هي في المصحف [4] . ولكنّه يشاطر التميميّين رأيهم في عدم إعمال (ما) ، ويرى ذلك هو الأقيس؛ لأنّها حرف، وليست فعلًا، فهي لا تشبه (ليس) من ناحية الفعلية، ولا من ناحية الإضمار، وفي ذلك يقول:"وأمَّا بنو تميم فيجرّونها - [ أي يَجرُون الحرف ما - ] مَجرى: أما وهل، وهو القياس؛ لأنّها ليست بفعل، وليست: ما كـ: ليس، ولا يكون فيها إضمارٌ" [5] .
والأخذ بالقياس في القراءات عند سيبويه لا يمنعه من أن يصرّح في كتابه أنَّ القراءة سنّة، وليست مجالًا للاجتهاد والاختيار، وفي مثل ذلك يقول:"فأمّا قوله عزّ وجل: { إنَّا كُلَّ شيءٍ خَلقنَاهُ بِقدَرٍ } [6] ، فإنّما جاء على: زيدًا ضربته ـ وهو عربي كثير ـ وقرأ بعضهم: { وأمَّا ثمودَ فَهَدينَاهُم } [7] إلاَّ أنَّ القراءة لا تُخالَف لأنَّها السنَّةُ [8] وإنْ رأى الرّفع في ( ثمود ) أجود."
(1) مباحث في علوم القرآن د. صبحي الصالح ص250.
(2) النشر في القراءات العشر 1/10، 11.
(3) يوسف 12 / 31.
(4) كتاب سيبويه 1/28.
(5) كتاب سيبويه 1/28.
(6) القمر 54 / 49.
(7) فصّلت 41 / 16.
(8) كتاب سيبويه 1/74.