استعانَ سيبويه بالقراءات النّادرة والحروف المخالفة في بناء أصوله مثلما استعان بالقراءات المعروفة، وهو من طوّعها - كسائر المصادر - لمقاييسه، و توزّعت في مواقع مختلفة من كتابه.
فأجاز بقراءة بعضهم [1] : { وإنْ تَبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أو تخفُوه يُحَاسبْكُم بِه الله فَيَغْفِرَ لِمَن يَشَاءُ } [2] نَصْبَ (يغفر) التي عطفت على جواب الشّرط بإضمار (أنْ) بعد الفاء [3] .
وأجاز بقراءة ناس [4] من الكوفيّين:"ثمَّ لننزعَنَّ مِن كلّ شيعةٍ أيَّهم أشدُّ على الرّحمَن عتيًّا" [5] نَصْبَ (أيّهم) على الإضافة.
وعدَّ هذه القراءات مقياسًا يقيس عليه، كقياسه مع الخليل قولهم:"لاسيَّما زيدٌ"على: { إنَّ الله لا يستَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مثلًا مَا بَعُوضَةٌ } [6] برفع (بعوضة) [7] .
حتَّى إنّه في مواضع يعدّها أصلًا يخرج عليها القراءة المشهورة، كما فعل في قوله تعالى: { هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد } [8] . قال:"فرفعه من وجهين: على شيء لديّ عتيد، وعلى: { وَهَذا بَعلِي شَيخٌ } [9] . يريد: أنَّ (عتيد) مرفوع على النّعت من (ما) ، أو على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف. أي: هو عتيد [10] ."
ومجمل القول: إنَّ سيبويه كان وفيًا لسنّة القراءة، لا يبخل عن وصف بعضها بالقوة ـ إنْ توفَّرت لها شروط القوة أو الحسن ـ إنْ وافَقت الذّائع المَعروف مِن كلامِ العربِ ـ الّذي يتوخّى فيه ضبط لغة القرآن وصونها من التّحريف.
(1) قراءة ابن عباس والأعرج، البحر المحيط 2/360.
(2) البقرة 2 / 284. (فيغفرُ) .
(3) كتاب سيبويه 3/90.
(4) قراءة معاذ الهراء وطلحة بن مصرف، مختصر في شواذ القرآن ص 86.
(5) مريم 19 / 69. (أيُّهم) .
(6) البقرة 2 / 26.
(7) قراءة رؤبة بن العجاج، مختصر في شواذ القرآن ص 1.
(8) ق 50 / 33.
(9) هود 11 / 72. (شيخًا) .
(10) 10) كتاب سيبويه 2/106.