أمَّا المبرّد محمد بن يزيد (ت285هـ) ، فأخضع القراءات المشهور منها والنّادر إلى مقياسه النّحوي ضاربًا الصّفح عن سنّتها متعلّلًا بضرورة التّحليق بأسلوب القرآن، وحَمله على أشرف المذاهب في العربيّة [1] . إضافة لذلك دعا لتجنُّب الأخذ بالقراءات الشاذة لما في ذلك من ضرر على اللغة والنّحو، ومن هنا كان قوله المعروف:"إذا جعلت النّوادر والشّواذ غرضك كثرت زَلاتك" [2] . ومع ذلك فإنَّ رفض المبرّد بعض القراءات ـ حتّى المشهور منها ـ ووصفه لها باللَّحن [3] والغلط [4] والقبح [5] ، وعدم الجواز [6] ، وحَمْل بعضها على الضّرورة الشعريّة [7] لا يعني أنّه لم يرتض قراءات أخرى، فهو ارتضى كلّ ما وافق مذهبه. فقراءة ابن عباس: { لَم يَمْسَسْهُ نارٌ } [8] بعدم إلحاق تاء التّأنيث للفعل مقبولة عنده؛ لأنَّ فاعله مؤنّث غير حقيقي [9] .
يضاف إلى ذلك أنَّ المبرّد اعتدَّ بالحروف المخالفة وخرّجها، خرّج حرف أُبَي: { تُقَاتِلُونَهُم أو يُسلِمُوا } [10] على معنى:"إلاَّ أن يُسلمُوا وحتَّى يُسلمُوا".
وصفوة القول: إنَّ المبرد قَبِلَ ما وافق مذهبه النّحوي، ورفض ما لم يوافقه، ووقف من بعضها موقف الحذر، واحتجَّ لِمَا أخذه أحيانًا بالقرآن والشّعر.
(1) الكامل في اللّغة والأدب 3/39.
(2) الأشباه والنظائر 3/49.
(3) المقتضب 2/134.
(4) مشكل إعراب القرآن 2/141.
(5) إعراب القرآن للنحاس 3/198.
(6) 10) إعراب القرآن للنحّاس 1/184.
(7) 11) المقتضب 2/171.
(8) 12) النور 24 / 35. (تمسسهُ) .
(9) 13) الجامع لأحكام القرآن 12/262.
(10) 14) الفتح 48 / 16. (يسلمون) .