والكسائي النحوي والقارئ هو من احتجّ بالقراءات، وأيّد بها كلّ ما ينتهي إليه من لغات العرب وأشعارها دون أن يخرج على المقياس النّحوي، فقرأ (يقول) في قوله تعالى: { وَزُلزِلُوا حتّى يقولَ الرَّسُولُ } [1] بالرّفع، ثمَّ عاد إلى النَّصب [2] .
وعُرف عنه أنَّه ما كان ليتشدَّد في موقفه من الرَّسم [3] القرآني، عندما كان يُقبِل على تَخريج القراءات، ومع ذلك كان يقف من بعض القراءات موقف الحذر، فيقول - مثلًا - لا أعرف [4] . أمَّا القراءات النادرة فقبلها بل قُل وبنى عليها بعض القواعد الجديدة، فأجاز قراءة: { إنَّ الله ومَلائِكَتُه يُصَلُّونَ عَلَى النّبي } [5] برفع الملائكة [6] بالعطف على اسم (إنَّ) قبل مجيء الخبر [7] ، وهو من قبل قراءة (أطهرَ) بالنّصب وخرّجها على الحال [8] .
يضاف إلى ما سبق أنَّ الكسائي وجّه بعض القراءات موضّحًا رأيه النّحوي فيها، فوجّه قراءة [9] مجاهد:
{ كُتِبَ عَلَيكُم الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذينَ مِن قَبلِكُم شهرُ رمضانَ } [10] على معنَى:"كُتبَ عَليكُم الصّيامُ، وأن تصومُوا شهرَ رمضانَ" [11] .
وهكذا فالكسائي كغيره من النّحاة ما كان يطعن في القراءة ـ ولو كانت بعيدة ـ بل كان يجد لها مخرجًا يجعلها مقبولة في الاستعمال النّحوي واللغوي.
(1) البقرة 2 / 214 (يقولَ) .
(2) معاني القرآن للفراء 1/133.
(3) الجامع لأحكام القرآن 14/352.
(4) معاني القرآن للفرّاء 2/377.
(5) الأحزاب 33 / 56.
(6) رواية عبد الوارث عن أبي عمرو. مختصر في شواذ القرآن ص 120.
(7) إعراب القرآن للنحاس 2/645.
(8) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 15/415، 416.
(9) مختصر في شواذ القرآن ص 12.
(10) 10) البقرة 2/ 183.
(11) 11) إعراب القرآن للنحاس 1/237.