الصفحة 34 من 47

إن ما يذكر من خروج التراكيب إلى أساليب مختلفة، أو دلالة الأداة على أكثر من معنى، واختلاف النّحاة في ذلك، إنّما يرجع إلى التنغيم، ودواعي هذا الاختلاف أنهم ينظرون ـ غالبًا ـ إلى النصّ المكتوب دون المنطوق، ومن ثمّة لا نرى وجهًا لحكاية خطأ ابنة أبي الأسود الدؤلي في صيغة التعجّب، فقد رووا أن من أسباب وضع أبي الأسود (ت 69هـ) لأوليات النحّو سماع ابنته تقول: ما أحسنُ السّماءِ... ؟ على إرادة التعجّب من حسن السّماء، ولكنها أخطأت في الشكل الإعرابي برفع (( أحسنُ ) )فصارت الجملة استفهامًا فأجابها أبوها: نجومُها.. فقالت: إنّما أردت أن أتعجّب، فقال: إذًا، فقولي: (ما أحسنَ السّماءَ.. ! بفتح أحسنَ"ونصب"السّماء ) [1] .

وتعدّ سذاجة هذه الحكاية من أمرين الأول: أن التعجب سياق خاصّ مألوف ينزّل منزلة الأمثال، والشكل الإعرابي لازم له لزومًا لا سبيل إلى تجاوزه من متعلّم، فكيف يُسّوغ أن يقع لعربيّة سليقية نشأت في أسرة فصيحة من هذا الخطأ الفادح!...

والثاني: أنّ التنغيم دون الإعراب أو معه...، هو الّذي يوضح للسامع سياق الجملة، أكان استفهامًا أم تعجبًا، وسياق الاستفهام مختلف الاختلاف، وهو التعبير الأكثر إيضاحًا عن الانفعال الذي لا أظن ابنة أبي الأسود ـ إن صح أصل الحكاية ـ لا تؤديه، كما يؤديه العربيّ.

التنغيم يعوِّض عن المقولات التركيبية:

كثيرًا ما يحذف مكوّن من مكوّنات الجملة لينصب التنغيم مقامه، ومن ذلك:

? حذف الصفة:

(1) السيرافي، أبو سعيد الحسن بن عبدالله، أخبار النحويين البصريين، تحقيق طه محمد الزيني، ومحمد عبد المنعم الخفاجي، ط1، نشر مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، القاهرة، 1955م، ص 14.

ـ الزبيدي، أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي، طبقات النحويين واللغويين، حققه محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف في مصر، القاهرة، 1973م، ص 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت