فهرس الكتاب
أو الندبة، أي قال له: يا ابناه.. على الندبة، ولو أراد حقيقة الندبة، لم يكن بدّ من أحد الحرفين: يا ابناه أو واابناه، كقولك: وازيداه، ويازيداه [1] ومن الوظائف الدلالية المهمة للتنغيم تحويل المعنى وقلبه تمامًا، وهذا ما نقف عليه في قول ابن جني [2] ، وعلى ذكر طول الأصوات وقصرها لقوة المعاني المعبر بها.. يحكى أنّ رجلًا ضرب ابنًا له، فقالت أمه له: لا تضربه ليس هو ابنَكَ: فرافعها إلى القاضي، فقال هذا ابني عندي.. وهذه أمّه تذكر أنه ليس مني، فقالت المرأة: ليس الأمر على ما ذكره، وإنما أخذ يضرب ابنه، فقلت له لا تضربه ليس هو ابنك، ومّدت الفتحة، فتحة النون جدًا، فقال الرجل: والله ما كان منها هذا الطويل الطويل، فما فهمه الأب بتنغيم معين رفضته زوجته أمام القاضي مدعية تنغيمًا آخر، فأقسم أنه لم يكن في كلامها هذا التنغيم الطويل الطويل، وهنا نلمس الخطورة الدلالية التي يمكن أن يقوم بها الإشباع، فهو يوازي عبارات بإكمالها.
ويذهب أبو الفتح إلى أن الأصوات مرهونة بما تحمله من دلالات، وأن المعاني تتلعب بالألفاظ، وأن الأصوات تابعة للمعاني، فمتى قويت قويت، ومتى ضعفت ضعفت، وأن قراءة من قرأ قوله تعالى { يا حسره على العباد } سورة (يس30) بالهاء الساكنة، إنما هو لتقوية المعنى في النفس، وذلك أنه في موضع وعظ وتنبيه وإيقاظ وتحذير [3] ، فطال الوقوف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر المتعجب منه، الدال على أنه قد بهره وملك عليه لفظه وخاطره، فهذه الدلالات جميعها من وعظ وتنبيه، وإيقاظ وتحذير، تستلزم التنغيم تمامًا، مثل لزومه في الاستعظام والتعجُّب والانبهار.
التنغيم وخرق القواعد النحوَّية:
(1) المصدر نفسه، 1/322-323.
(2) المصدر نفسه، 2/210.
(3) المصدر نفسه، 2/210.