وأمّا إجازته توكيد النّكرة المحدودة بألفاظ الإحاطة، هذا مانُسب إلى الكوفيّين، والأخفش من البصريّين،وقد ذكره في ( الإفصاح ) عندما وازن بين ( كلا، وكلّ ) ، وممّا قاله عن ( كلا ) 91: وأنّها تلي المنكور في نحو قوله:
(.... أولاكَ بنُو خيرٍ وشرٍّ كليهما )
ولا يكون هذا في باب أجمعين إلاّ ماكان اسمًا منكورًا لعددٍ معلومٍ، فإنّه يجوز توكيده بـ ( كلّ وأجمعين) .... هذا وكثيرة هي الأمثلة الّتي اعتمد عليها ابن الطّراوة لتأكيد ماذهب من جواز توكيد النّكرة المحدودة بألفاظ (كلا، وكلّ، وأجمعين )
البدل: أجمع جمهور النّحاة على إعراب ( النّار ) في قوله تعالى: { قُتِلَ أصحابُ الأخدودِ. النّارِ } 92 بدل ؛ ولكنّهم مختلفون في تحديد نوع هذا البدل، فـ ( الفارسي ) 93 قال: إنّ ( الأخدود مشتملٌ على النّارِ ) ، والفرّاء94، وابنُ الطّراوة95، ذهبا إلى أنَّه بدلٌ منه بدلَ الشّيء الّذي هو هو، لأنَّ ( الأخدود ) إذا تركت فيها النّار تسمّى نارًا كالحطب والفحم، وغيره ممّا تلبس به النّار، لأنّها لاتوجد إلاّ به، ولا تتميّز عنه96، وأمّا ابن خروف97، فعنده بدل إضراب...
من خلال ماسبق نخلص إلى أنَّ ابن الطراوة وإنْ اتّفق مع الفرّاء، فهو مختلف مع جمهور النّحاة الآخرين.
الفعل المتعدّي: زعم ابنُ الطّراوة، وتلميذه السّهيلي98 أنّ ( استغفر ) في قولنا: ( استغفرت اللهَ من الذّنب ) ليس أصلها التّعدية إلى الثّاني بحرف الجر، بل الأصل أن يتعدَّى إليه بنفسه، وتعديته بـ ( من ) إنّما هو بتضمينه طلب التّوبة، والخروج من الذّنب، وزعم علي بن سليمان الأخفش99، وتبعه ابن الطّراوة أنّه يجوز حذف الحرف إذا تعيّن، وتعيّن مكانه قياسًا على تلك الأفعال، فأجاز: ( بريت القلمَ السّكّينَ، وقبضت الدّراهمَ زيدًا ) ، فإنْ اختلَّ الشّرطان أو أحدهما مُنِعَ، نحو: رغبتُ الأمر لايجوز، لأنّه لايُعلَم هل أردْتَ رغبْتَ في الأمر، أو رغبْتُ عن الأمر100..