3)، والتي ـ كما يتبين لنا من جانب آخر ـ تُحَقِّق بأنوثتها المكمل الأول لذكورته. وكذلك الأمر لدى تجربة أبي نواس الخاصة ، وإن تحقَّقَ فيها هذا الترابط بصورة معكوسة ، قائمة على تشكيل عقدة أوديب لديه أساس نرجسيته ، وذلك بصورة إيجابية في البداية ، متمثلة فيما أدى إليه حب أمه وتدليلها له بعد طلاقها من أبيه من تأثره به محبًا ـ هو الآخر ـ لنفسه [1] 4). ثم بصورة سلبية متمثلة فيما أدى إليه انصرافها عنه، وتحويل بيتها إلى مبغىً، ثم بزواجها الثاني من ردة فعل عنيفة جعلته ينكفئ على ذاته هذه مشفقًا عليها من إهمال أمه.
وقد تجلت للعقاد نرجسية أبي نواس بدءًا من السلوك الإباحي الذي اتخذه، والذي إذا ما نمَّ لدى الشعراء الآخرين على عدم المبالاة بذواتهم حين إظهارها للناس وفق أي درجة من التهتك، فإنه نمَّ لدى أبي نواس حين إظهار ذاته هكذا على محاولته التركيز عليها، وتحقيق حضورها وإن بهذه الطريقة غير المرضية [2] 5):
ألا فاسْقني خمرًا، وقلْ لِي هيَ الخمرُ ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهرُ [3] 6)
هذا وإن كنا لا نعدم النرجسية في حال دلالة الإباحية لدى أولئك الشعراء الآخرين على عدم مبالاتهم بذواتهم، لأنهم يعبِّرون بذلك أيضًا عن عدم مبالاتهم بسواهم الذين تظهر أمامهم هذه الذوات ، أو يعبِّرون عن ذلك الشطر من النرجسية التي تعني مقابل عشق الذات إهمال من هم خارجها. وبناءً على ذلك، لا ينبغي أن نتغافل أيضًا عما يمكن أن يكون قد حقق الشطر الأخير المذكور من استكمال لنرجسية الإباحية لدى أبي نواس، وذلك حين بدا مقابل حرصه على إبراز ذاته غير حريص على مشاعر من يتلقون عنه صورة هذه الذات.
(1) 34) مجموعة من المؤلفين. النرجسية ، ص 10 .
(2) 35) العقاد ، عباس محمود ع م. أبو نواس ـ الحسن بن هانئ ـ دراسة في التحليل النفساني والنقد التاريخي ، مطبعة الرسالة ، د - ت ، ص 29 - 31 .
(3) 36) أبو نواس. الديوان ، ص 28 .