وربما تأكيدًا لعثور أبي نواس في الخمرة على ما يعوضه عن المرأة، ويمده بالحياة، فقد تبين للنويهي دون سواه من الدارسين مدى تشكيلها بالنسبة إلى الشاعر ذلك المثار لرغبته الجنسية التي لا شك في أن النويهي قد استحضر مدى تكثيفها في حقيقتها لذينك الأمرين: الإقبال الشهوي على الطرف الآخر من جانب، والتوق من خلاله إلى استمرار الحياة من جانب آخر، لِما يحقق من تجديد النسل. وقد توضّحَتْ للنويهي هذه الرغبة بصورة مباشرة من خلال إيراد الشاعر ما تعدَّدَ من الألفاظ والعبارات الدالة عليها: العذراء والبكر والفتاة... وبصورة غير مباشرة من خلال ما ذهب إليه علم النفس من عدم انحصار هذه الرغبة ما بين الذكر والأنثى، أو ما بين المثلين، إنما امتدادها في حال عدم تسنِّي مثل هذه العلاقة الطبيعية لتشمل الإحساس الجنسي حتى تجاه الأشياء التي لا حياة فيها كخمرة أبي نواس [1] 6). ولا بد لنا هنا بصورة خاصة من أن نستحضر نظرية"فرويد"الأساسية التي يذهب فيها دائمًا إلى تشكيل الرغبة الجنسية الليبيدية الناشطة أبدًا في لا شعور الإنسان، المنطَلَق الرئيسي لسلوكه على مختلف الأصعدة، حتى ما يتعلق منها بطعامه وشرابه، وبصورة محددة هنا بشرب أبي نواس للخمرة [2] 7):
ومرَّ ذَا فَرَحٍ ، يَسْعَى بِمِسْرَجَةٍ ... فَاسْتَلَّ عَذْرَاءَ لم تبرُزْ لأزْواجِ [3] 8)
زُرْتُها خاطبًا ؛ فزُوِّجْتُ بِكْرًا ... فَفَضَضْتُ الختامَ غير مُليمِ [4] 9)
(1) 16) النويهي ، محمد. نفسية أبي نواس ، ص 44 - 47 .
(2) 17) الحفني ، عبد المنعم ع. موسوعة الطب النفسي ـ الكتاب الجامع في الاضطرابات النفسية وطرق علاجها نفسيًا ، المجلد الثاني ، الطبعة الثانية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، 1999 ، ص 355 - 356 .
(3) 18) أبو نواس. الديوان ، ص 48 .
(4) 19) أبو نواس. الديوان ، ص 175 .