ومن النظريات التي جاءت في الديوان قول العقاد مخاطبًا شوقي:"فاعلم ـ أيها الشاعر العظيم ـ أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها، ويحصى أشكالها وألوانها، وأن ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشئ ماذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ما هو، ويكشف عن لبابه، وصلته بالحياة، وليس هم الناس أن يتسابقوا في أشواط السمع والبصر، وإنما همهم أن يتعاطفوا ويودعوا أحسسهم وأطبعهم نفس إخوانه زبدة ما رآه وسمعه، وخلاصة ما استطابه واستكرهه، وإذا كان وكدك من التشبيه أن تذكر شيئًا أحمر، ثم تذكر شيئين أو أشياء مثله في الاحمرار فما زدت على أن ذكرت أربعة أو خمسة أشياء بدل شئ واحد، ولكن التشبيه أ ن تطبع في وجدان سامعك وفكره صورة واضحة مما انطبع في ذات نفسك، وما ابتدع التشبيه لرسم الأشكال والألوان، فإن الناس جميعًا يرون الأشكال والألوان من نفس إلى نفس، وبقوة الشعور وعمقه واتساع مداه ونفاذه إلى صميم."
/ صفحه 206/
الأشياء يمتاز الشاعر على سواه، ولهذا ـ لا غير ـ كان كلامه مطربا مؤثرا، وكانت النفوس تواقة إلى سماعه واستيعابه.
"وصفوة القول أن المحك الذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء، وإن كنت تلمح وراء الحواس شعورًا حيًا ووجدانًا تعود إليه المحسوسات كما تعود الأغذية إلى الدم، ونفحات الأزاهر إلى عنصر العطر، فذلك شعر الطبع القوي، والحقيقة الجوهرية".
ومن النقد التطبيقي الواضح في كتاب"الغربال"نقد قصيدة شوقي التي مطلعها:
أنادي الرسم لو ملك الجوابا وأجبزيه بدمعي لو أثابا