الصفحة 38 من 59

وهو يفضل الشعر القديم بالجزالة والسلاسة، وبما فيه من الشاهد في اللغة والنحو، ويفضل الشعر الحديث بعذوبة ألفاظه وحلاوة معانيه وشدة ارتباطه.

ولم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة ـ كما يقول ـ على زمن دون زمن، ولا خص قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره.

/ صفحه 338/

وابن قتيبة عاش في القرن الثالث الهجري، وتوفي في السنة الأولى من الربع الاخير من هذا القرن، وبذلك نعرف ماذا عني بالقديم، وماذا عني بالحديث.

وقد يتبادر إلى بعض الاذهان أن القديم في نظره ـ كما هو في نظر من سبقه من العلماء والرواة ـ هو الشعر الجاهلي، وكذلك كان يرى أبو عمرو بن العلاء ـ مثلا ـ فإنه لم يستشهد ببيت إسلامي طوال عشر سنوات، كما ذكر الأصمعي، وكان يرى أن الفرزدق وجريرًا والأخطل من المحدثين، ولكن عبارات ابن قتيبة تشير إلى أن القديم هو ما سبق زمنه، والحديث هو ما قيل في عصره أو قريبا منه، فانه ـ كما يقول ـ رأى بعضه علمائهم يعيبون الحديث، ولا عيب له إلا أنه قيل في زمانه ورأى قائله، ويقول: وجعل"الله"كل قديم منهم حديثا في عصره، وكل شريفا خارجيا (1) في أوله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل يعدون محدثين، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد نبغ هذا المحدث وحسن، حتى لقد هممت بروايته، ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم. وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمي، والعتابي، والحسن بن هانئ.

فنرى أن ابن قتيبة يحدد القديم"ببعد العهد"والحديث بقربه، وليست المعاصرة عنده هي الحد الفاصل، فإن هؤلاء الشعراء الثلاثة الذي ذكرهم لم يعاصروا ابن قتيبة، فبعضهم توفي وابن قتيبة لم يولد بعد، كالحسن بن هانئ وهو أبو نواس، فقد كانت وفاته في سنة 198 هـ، وابن قتيبة ولد سنة 213هـ، والعتابي توفي سنة 220هـ، فكان ابن قتيبة حينئذ في سن الثامنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت