الصفحة 51 من 59

و من الملح التى ساقها الجاحاظ في هذا الموضع من كتابه، و نحن نسوقها هنا للترويح عن القارىء أيضًا قبل أن نسترسل معه في الحديث عن المتكلفين، و سوق الشواهد من كلامهم، ما رواه عن أبى الحسن قال: كان غلام يقعر في كلامه، فأتى أبا الاسود الدؤلى يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الاسود: ما فعل أبوك؟ قال: أخذته الحمى، فطبخته طبخًا، و فنخته فنخًا، و فضخته فضخًا، فتركته فرخًا.

قال أبو الاسود: فما فعلت امرأته التى كانت تهاره، و تشاره، و تجاره، و تزارّة؟! قال طلقها، فتزوجت غيره، فرضيت، و حطيت، و بظيت (1) ، قال أبو الاسود: قد عرفنا رضيت، و حظيت، فما بظيت؟ قال: حرف من الغريب لم يبلغك، قال أبو الاسود: يابنى، كل كلمة لايعرفها عمك فاسترها كما تستر السنور جعرها. (2)

و إذا كان لهؤلاء المتقعرين عذر من مرة تتحكم في عقولهم، أو حمق يغلب عليهم، أو رغبة في الغريب لانه غريب، فما عذر كتابنا الذين يعيشون في القرن العشرين، و يوقنون حق اليقين أن هذا التكلف في الاسلوب لم يعد يحفل به أحد، لا من

ــــــــــ

(1) فنخته: أضعفته، و الفنيخ: الرخو الضعيف، و فضخته: دقته، تزاره: تعاضه، و الزر: العض، حظيت: من الحظوة، و بظيت: اتباع لحظيت. و هذا الشرح كله من كلام الجاحظ. و في هامش النسخة: تهاره: تهر في وجهه كما يهر الكلب و تشاره: تعاديه و تخاصمه، و تجاره: تلحق به الجريرة.

(2) الجعر: الخرء.

/ صفحه 330/

المتعصبين للقديم، و لا من الموغلين في حب الجديد، و لا من المعتدلين، بين أولئك و هؤلاء، فليس في جيلنا ذوق يستسيغه الا أن يكون ذوقًا مريضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت