الصفحة 52 من 59

ان كانوا انما يكتبون للصيت - و لا أظن - فقد عكسوا على أنفسهم غرضهم، فمثل هذا الصنيع يكسبهم صيتًا ولكن على غير ما يشتهون، و ان كانوا انما يكتبونه معتقدين أنه لون رفيع من أساليب البلاغة فقد كابروا فيما اتفقت عليه كلمة النقاد و البلاغيين من حد البلاغة و رسمها، و ان كان هذا الاسلوب قد أصبح عادة لهم، فعليهم أن يروضوا أقلامهم و ملكاتهم على النهج القويم من أسلوب العربية الواضح الرصين.

و ليس من حق واحد منهم أن يقول: (أنا اللغة) - كما سمعت ذلك عن أحدهم - فقد روجع فيما يحشده في شعره من استعارات غريبة، و كنايات بعيدة، فقال: ما الفرق بينى و بين امرىء القيس؟ لماذا جاز له أن يقيد الاوابد، و يستوقف الركب، و يبتكر ما يشاء من المعانى، و لم يجز مثل ذلك لى؟ أنا أكتب كما أريد، و أنظم الشعر كما أريد، و أتصرف في الاساليب كما تصرف فيها أوائلنا.

و مرجع ذلك في نظرى هو الغرور و الجهل، أما الغرور فلان هذا القائل وضع نفسه في قمة عالية من كتاب العربية و شعرائها، و لم يدر أنه ما يزال في السفح، و سيبقى فيه إلى أن يموت ما دام يصدر عن مثل هذا التفكير السقيم، و أما الجهل فلانه ظن أن اللغة صناعة، و ليست طبعًا، وفاته أن الاعرابى الذى كان يبول على عقبيه، و يأكل الشيح و القيصوم، و يعاشر الغيلان أصح منه لغة، و أقوم طبعًا، و لو قرأ صاحبنا هذا كل ما كتب في العربية و درسه، و هضمه.

و من واجبنا أن ننبهه إلى ما يتردى فيه هو و أمثاله من أخطاء في الاسلوب، و ما يلجأون اليه من تنكب للجادة، كما كان من واجبنا أن نتنبّه إلى ما يقع فيه هؤلاء أو غيرهم من أخطاء في مفردات اللغة; فليست مراعاة الاسلوب الجيد بأقل شأنًا من مراعاة الالفاظ الصحيحة.

نعم كل انسان حر فيما يأخذ و ما يدع، و لا سيما في أسلوب كلامه الذى يريد أن يتحدث به، أو يكتب به، ولكن الخطأ الذى ينبغى أن يدفع هو أن يحاول كل

/ صفحه 331/

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت