من أمسك بين يديه قلما، و وضع أمامه قرطاسًا أن يفهمنا أنه (اللغة) ، ما يقوله صواب، و ما ينشئه حق.
و قد مضى وقت الجدل في أى الاساليب أبلغ، بما اتفقت عليه كلمة العلماء منذ عهد قديم، و أصبحنا نجد عددًا غير قليل من دعاة التجديد يميلون إلى الضحالة، و قد أعطينا هؤلاء حقهم فيما سبق من كلمات، و نجد عددًا جد قليل يميلون إلى أن يعيدوا أسلوب أبى علقمة النحوى، و يحيى بن يعمر، و هؤلاء لايصعب ردهم إلى الصواب، فان قليلا من التأمل و النظر، و قليلا من فهمهم لانفسهم، يكفى لان يرجعهم عن هذا الدرب الذى يسلكونه.
و كما أن دعاة الاسلوب المجرد عن الفن مفرّطون، فأصحاب الاسلوب المتوعر المتكلف مُفْرِطون و لم نر صاحب ذوق سليم قبل التفريط أو الافراط.
بين يدى أمثلة لهذا النوع المتوعر من الاساليب، ولكنى سأكتفى بمثالين لهما دلالتهما.
قرأت في بعض الصحف (1) اليومية كلمة عنوانها: (( حاول أن تفهم ) )و قد ذكر الناشر أن موظفًا كبيرًا بالبرامج العربية للشئون الثقافية كتب رسالة إلى مديره يقول فيها: (( أصابنى تواكب العمل... و تواتر ضغطه المستمر مع هذا القيظ المحرق.... بحال من العافية يشمت الداء... و يوغر الصحة.... و يتلمس جانحة من سكون الليل بعيدًا عن مدار العمل، و لعلك مع هذا قابل معذرتى عن سهرة الغد ) ).
و قد أعدت كتابة الكلمة كما جاءت في الصحيفة اليومية، و لعل القارىء يلحظ من وضع النقط على الهيئة السابقة لونًا آخر من التكلف، و له دلالته الواضحة على تمكن هذا الخلق من الكاتب.
و صاحب هذه الرسالة شاعر من شعراء الوقت في مصر، و هو صاحب مزاج خاص، و قد حاول أن يصنع في نثره ما يصنعه في شعره، وفاته أن ما يستسيغه بعض القراء في الشعر لايستسيغونه في النثر، لان في الشعر روحًا تخفى بعض العيوب.
ــــــــــ
(1) صحيفة الشعب بتاريخ 24/8/1957.
/ صفحه 332/