و هبنى استعنت بالمعاجم، و بالصبر، و فهمت كل جملة على حدتها، فما جدوى هذا كله في الذوق؟ ان قارىء الادب لايقصد الفائدة فحسب، ولكنه يطلب إلى جانبها المتعة، و أعتقد أن أحدًا لن يجرؤ فيدعى أن في مثل هذا الكلام متعة الا إذا كان مخلوقًا على منوال أبى علقمة و من لف لفه.
و ربما وقع في خاطر بعض من يطالعون كلمتنا هذه أننا مع أولئك الذين يدعوننا إلى ألا نحتفل بالادب الجاهلى، و ما يشبهه من كل أدب يشتمل على ألفاظ غريبة، و لا سيما في مرحلة الدراسة الثانوية، لان الطلبة - كما زعم بعض كتابهم - تنفتح عيونهم في هذه المرحلة على قصائد قد بعدت عن الرقة و السلاسة، و أغرقت في الغرابة، و توغلت في الجفاوة، و زخرت بما يميت الذوق الادبى، و بما يصرف الطالب و المتأدب عن الهيام بالادب العربى، و الاحتفاء به، ثم يستشهد الكاتب ببيت للاعشى قد أشبعه النقاد القدماء تجريحًا.
و حجته أننا يجب أن نقدم للطلاب ما يتلاءم مع حياتهم، أما الالفاظ التى مدلولاتها فقدت و أصبحت تحفًا فيجب أن تقبع في المتاحف اللغوية لمن شاء أن يرجع اليها، أو يتخصص فيها.
و أول خبط هذا الكاتب و خلطه أنه حكم على الشعر الجاهلى جملة بعدم صلاحيته للدراسة، لان فيه قصائد أغربت في الغرابة.
و ثانى هذا الخبط أنه وصف بعض القصائد بأنها (( بعدت عن الرقة ) )و أغربت في الغرابة، و توغلت في الجفاف، و زخرت بما يميت الذوق الادبى )) و قد استحضرت في ذاكرتى أهم القصائد الجاهلية فما وجدت قصيدة واحدة يمكن أن تصدق عليها كل هذه الاوصاف مجتمعة، نعم في هذه القصائد ألفاظ غريبة علينا ولكن فيها - أيضًا - أبياتًا جميلة، غاية في الوضوح.