ثم ما هى القصائد التى تدرس لطلاب المرحلة الثانوية؟ لقد تصفحت الكتب المؤلفة لهذه الدراسة فما وجدت فيها شيئًا مما أعرف من قصائد اشتملت على بعض الغريب، فلم أجد فيها مثلا الجزء الاخير من لامية العرب، و لا الجزء الاخير من قصيدة الشنفرى في زوجته، و لا ما أشبه هذين، و انما وجدت بعضًا من معلقة عنترة، و بعضًا من معلقة طرفة، و ما أظن أن هاتين المعلقتين تعدان مما يزخر بالغريب، و مما يميت الذوق الادبى.
ان الكاتب ان كان قصد إلى مثل هذه القصائد فقد ضل السبيل، و قد حاول - مخطئًا - أن يحرم أبناءنا من هذا النبع الصافى العذب الذى نهل منه كل من كان له شأن في الادب العربى، في القديم أو في الحديث.
/ صفحه 335/
لانعنى أبدًا حين نعيب على بعض كتابنا ما يلجئون اليه أحيانًا من التكلف، و الصنعة الثقيلة أننا نمس بأى لون من ألوان المس دراسة قصيدة عربية واحدة جاهلية أو اسلامية مهما أغرقت في الغرابة، لان في هذه القصائد من المعانى و الاحاسيس، و الالفاظ العربية السليمة، و الاسلوب المطبوع الاصيل، ما يحتم على كل دارس للعربية أن يتزود منه ما استطاع.
و يجب أن يفهم الفرق بين استعمال الغريب و بين التكلف، فربما كانت القصيدة مملوءة بما نعده نحن غريبًا - و لم يكن غريبًا عند أرباب اللغة - و هى مع ذلك مطبوعة، و قد تكون الكلمة واضحة الالفاظ و الاسلوب، و الصنعة بادية فيها.
و الذى عبناه من كتابنا في هذه الكلمة أنهم يجمعون بين الأمرين: بين التكلف، و الولع بالغريب من الالفاظ، و من المعانى.
و إذا كان بعض النقاد القدامى حكم على أبى تمام بأن اكثاره من الاستعارات البعيدة قد رذّل شعره فجف عوده، و نشف ماؤه، فاننا في حل أن نقول ان ما يلجأ اليه بعض كتابنا من الاغراب الذى لايسنده طبع يجعل كتابتهم كالثمرة بعد اعتصارها لاروح فيها، و لا ماء و لا غذاء.