الصفحة 58 من 59

و يسلمنا الحديث عن هؤلاء المتكلفين إلى شعراء جرفهم تيار التقليد لكل ما هو غربى، فأسلموا أنفسهم لفن لم يكونوا أهلا له، و جاءونا بكل غامضة معتسفة، أولئك هم الشعراء المقلدون للرمزيين، و ان شئت أن تصفهم دون أن تسميهم، فقل: شعراء الغموض و الابهام، و الفوضى و الاضطراب، و الالتواء و الجفاف و ما شئت من مثل هذه الاوصاف.

و لا أنكر أنى فهمت شيئًا و لو قليلا من مثل تلك الكلمات التى مثلت لها في هذا البحث، ولكنى أعترف بأنى لم أفهم قليلا و لا كثيرًا من بعض القصائد التى يسمونها بالرمزية. و لقد حدث مرة و نحن ندرس في معهد الدراسات العربية العالية، أن أملى علينا أحد الاساتذه المحاضرين قطعة، و طلب منا تفسيرها، و كنا أكثر من خمسة عشر من المتخرجين في الكليات الجامعية، و الازهر الشريف.

/ صفحه 336/

و في اليوم التالى قدم كل منا تفسيرًا لهذه القطعة، و لشد ما كانت دهشتى حين أعلن المحاضر أن أحدًا منا لم يفهم هذه الابيات، و قد قلت يومئذ ان قولهم: (المعنى في بطن الشاعر) لايجد مكانًا أليق به من هذا الموضع.

و المؤلم حقًا أن كثيرًا من كتابنا و شعرائنا و علمائنا يؤمنون ايمانًا مطلقًا بكل ما هو غربى، و قد قرأت منذ قريب تعليق أحد كتابنا على كلمة قالها شارع غربى، تلك الكلمة هى: (( ان أخص مزايا الشعر أنه لايفهم، و كونه لايفهم هو الذى يمنعه من الموت; لانك إذا فهمته فقد قتلته ) )و علق عليها الكاتب المفضال بأنها (( عبارة رائعة ) ).

لماذا؟ ان جميع نقادنا، و علماء البلاغة في العربية يجعلون من أهم صفات الاسلوب الجيد (الوضوح) ولكن نقادنا و علماء البلاغة منا لايعرفون شيئًا عند أولئك المفتونين بالغرب، و تراث الغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت