الصفحة 51 من 115

في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا! فارقنا الناس فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم [1] ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ ب الله منك، لا نشرك ب الله شيئًا (مرتين أو ثلاثًا) حتى إن بعضهم ليكاد ان ينقلب [2] ، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق [3] فلا يبقى مَن كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى مَن كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة [4] ، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يُضرب الجسر على جهنم [5] وتحل الشفاعة [6] ، ويقولون: اللهم سَلِّم سَلِّم )) . قيل يا رسول الله ! وما الجسر؟ قال: (( دحض مزلَّة [7] ، فيه خطاطيف وكلاليب وحَسَك [8] تكون بنجد فيها

(1) معنى قولهم: التضرع إلى الله تعالى في كشف هذه الشدة عنهم، وأنهم لزموا طاعته سبحانه وتعالى، وفارقوا في الدنيا الناس الذي زاغوا عن طاعته سبحانه من قراباتهم وغيرهم، ممن كانوا يحتاجون في معايشهم ومصالح دنياهم إلى معاشرتهم للارتفاق بهم، فارقوهم طاعة لله وهجرانًا لمن عصى الله .

وقد قالوا هذه المقولة خوفًا من المصاحبة للعصاة في النار، يعني: كما لم نكن مصاحبين لهم في الدنيا لا نكون مصاحبين لهم في الآخرة.

(2) أي يرجع عن الصواب للامتحان الشديد الذي جرى.

(3) الساق صفة من صفات الله تعالى الذاتية الثابتة له بالقرآن والسنة، وهي صفة حقيقية له سبحانه وتعالى تليق بجلاله لا تشبه صفات المخلوقين.

(4) قال الهروي وغيره: الطبق قفار، أي صار قفارة واحدة كالصفيحة، فلا يقدر على السجود لله تعالى.

(5) الجَسِر، بفتح الجيم وكسرها: لغتان مشهورتان، وهو الصراط.

(6) أي تقع ويؤذن فيها.

(7) الدحض والمزلة بمعنى واحد، وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر، ومنه: دحضت الشمس أي مالت، وحجة داحضة أي لا ثبات لها.

(8) الخطاطيف جمع خطاف، بضم الخاء في المفرد، والكلاليب بمعناه، مفردةُ كَلُّوب، وهو حديدة معطوفة الرأس. وأما الحسك فهو شوك صلب من حديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت