الصفحة 58 من 115

أي ذلك في سبيل الله ؟ قال: (( مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ). رواه البخاري ومسلم [1] .

الفوائد والعبر:

دل هذان الحديثان على خطورة الرياء، وعلى قلة تفكير فاعله، وسفاهة رأيه، إذ كيف يرضى عاقل أن يحبط أجر عمله [2] ، وأن يعرض

(1) صحيح البخاري كتاب الجهاد، باب مَن قاتلَ لتكون الله هي العليا، وكتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} (فتح الباري 6/ 27، 28 و 13/ 441، حديث 2810، و 7458) ، وصحيح مسلم كتاب الإمارة، باب مَن قاتَل لتكون كلمة الله هي العليا 3/ 1512، 1513، حديث (1904) .

(2) قال الحافظ بن رجب في جامع العلوم 1/ 81 - 83: (( العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا، روي هذا المعنى عن جماعة من السلف، منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء، ولا تعرف عن السلف في هذا خلافًا.

وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإتفاق المال ونشر العلم ت فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد النية.

فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره )) ا. هـ مختصرًا.

وقال الشيخ محمد بن عثيمين: (( المقام الثاني في حكم العبادة إذا خالطها الرياء وهو على ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل كمن قام يصلي من أجل مراءاة الناس ولم يقصد وجه الله ، فهذا شرك والعبادة باطلة مع ما في ذلك من التحريم. الثاني: أن يكون مشاركًا للعبادة في أثنائها، بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة، فإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها فأولها صحيح بكل حال والباطل آخرها، مثال ذلك: رجل عنده مئة ريال قد أعدها للصدقة فتصدق بخمسين وراءى في الخمسين الباقية، فالأولى حكمها صحيح والثانية باطلة. أما إذا كانت العبادة ينبني آخرها على أولها فهي على حالين: أ - أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه بل يعرض عنه ويكرهه فإنه لا يؤثر، ب - أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذ تبطل جميع العبادة، لأن آخرها مبني على أولها ومرتبط به. مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصًا لله وفي الركعة الثانية طرأ عليه الرياء لإحساسه بشخص ينظر إليه فاطمأن لذلك، فتبطل صلاته كلها، لارتباط بعضها ببعض. القول المفيد شرح كتاب التوحيد، باب ما جاء في الرياء 2/ 227، 228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت