الصفحة 62 من 115

الحنظلية، وكان رجلًا متوحدًا قلما يجالس الناس، إنما هي صلاة، فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله، فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فقدمت، فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان فَطَعَن فقال: (خذها مني وأنا الغلام الغفاري) كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره. فسمع بذلك آخر، فقال: ما أرى بذلك بأسًا. فتنازعا حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( سبحان الله! لا بأس أن يؤجَر ويُحمَد ) )، فرأيت أبا الدرداء سُر بذلك، وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: نعم. فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول: ليبركن على ركبتيه.

قال: فمر بنا يومًا آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك. قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها ) )، ثم مر بنا يومًا آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك. قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعمَ الرجل خُرَيم الأسدي لولا طول جمته [1] وإسبال إزاره ) )، فبلغ ذلك خريمًا فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جُمَّته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه، ثم مر بنا يومًا آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، فقال: سمعت رسول الله يقول: (( إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس [2] ، فإن الله لا يحب الفحش [3] ولا التفحش ) ) [4] .

(1) - الجملة من شعر الرأس: ما سقط على المنكبين. ينظر النهاية 1/ 300، ولعل جمته كانت طويلة جدًا، ولعله من أجل ذلك أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

(2) قال في جامع الأصول 2/ 589: (( الشامة في الجسد معروفة، أراد: كونوا بين الناس أحسنهم زيًا وهيئة، حتى ينظروا إليكم، فتظهروا لهم، كما ينظر إلى الشامة، تظهر للرائين، دون باقي الجسد ) ).

(3) الفحش: هو كل خصلة رديئة من الأقوال والأفعال، والتفحُّش: التفعُّل منه، والمتفحش الذي يعتمد الفحش. ينظر النهاية 3/ 414، وجامع الأصول 2/ 589، 6/ 613، والمصباح المنير، ص 463.

(4) رواه الإمام أحمد 4/ 179، 180، وأبو داود في اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار 4/ 57، 58، حديث (4089) ، وأبو نعيم في اللباس - كما في جامع المسانيد لابن كثير 6/ 84 - وابن أبي شيبة في الجهاد 5/ 345، وفي كتاب الجهاد المكرر، باب الإنساء في الحرب 12/ 505، 506، رقم (15427) ، والطبراني في الكبير 6/ 94، 95، رقم (5616 - 5618) ، والحاكم في اللباس 3/ 183، والمزي في تهذيب الكمال في ترجمة بشر بن قيس، لوحة 150 من طرق عن هشام بن سعد عن قيس بن بشر التغلبي به. وبشر بن قيس لم يوثقه غير ابن حبان في الثقات 4/ 67، وروى عنه اثنان، وذكره البخاري في تاريخه الكبير 2/ 86، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/ 371، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، ثم هو جليس لأبي الدرداء كما في هذه الرواية وغيرها، وليس في رواياته ما يستنكر، بل لجميعها شواهد، وقد توبع على بعضها، كما سيأتي، وهو من كبار التابعين، فقد روى عنه زياد بن علاقه كما في مصنف عبدالرزاق 4/ 178، وتاريخه الفسوي 2/ 766، 767 أنه قال: كنا عند عمر بن الخطاب في رمضان والسماء مغيمة، فأتى بسويق وطلعت الشمس، فقال: من أفطر فليقض. والإسناد إليه صحيح، وقد توبع عليه عند عبدالرزاق 4/ 178، ولعله من أجل ذلك كله قال الحافظ في التقريب، ص 124: (( صدوق، من الثانية ) )، وابنه قيس بن بشر روى عنه هشام بن سعد، وقال: (( كان رجل صدق ) )، وقال أبو حاتم: (( ما أرى بحديثه بأسًا. ينظر تهذيب التهذيب 8/ 385، وذكره ابن حبان في الثقات 7/ 230.

ثم إني - وبعد كتابة ما سبق - رأيت الحافظ ابن حجر ذكره في الإصابة 1/ 176 فقال: (( بشر بن قيس له إدراك ) )، ثم ذكر روايته السابقة عن عمر وصححها، فالحديث إسناده حسن - إن شاء الله تعالى -.

وقد صحح هذا الحديث الحاكم ووافقه الذهبي، وقال النووي في رياض الصالحين، باب صفة طول القميص، ص 324: (( رواه أبو داود بإسناد حسن، إلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه ) )، وقال الشيخ محمد ناصر الدين في تعليقه على رياض الصالحين، معلقًا على كلام النووي السابق: (( لم أرَ مَن صرح بتضعيفه، وإنما علة الحديث من أبيه، فإنه لا يعرف ) ).

وقال الشيخ عبدالقادر الأرنؤوط في تعليقه على جامع الأصول 2/ 588: (( إسناده حسن ) )، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على شرح السنة، باب اتخاذ الجمة 12/ 101: (( إسناده قابل للتحسين ) ).

ولجميع فقرات هذه الرواية متابعات وشواهد كثيرة، ترتقي بها إلى درجة الصحة، منها:

1 -ما رواه الطبراني في الكبير 6/ 98، رقم (5623) عن الحسن عن سهل بن الحنظلية مرفوعًا: (( مَن ربط فرسًا في سبيل الله كانت النفقة عليه كالماد يده بالصدقة لا يقبضها ) ). وإسناده حسن، إن كان الراوي عن هشام بن عمار روى عنه قبل تغيره.

2 -ما رواه الإمام أحمد 4/ 321، 322، 345 من طريق أبي إسحاق، عن شمر بن عطية، عن خريم الأسدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (( نعم الرجل أنت يا خريم لولا خلتان فيك ) )، قلت: وما هما؟ قال: (( إسبالك إزارك، وإرخاؤك شعرك ) )، قال: لا جرم و الله لا أفعل. وإسناده ضعيف، أبو إسحاق - وهو السبيعي - مدلس وقد عنعن، وشمر - وهو ابن عطية - لم يدرك خريمًا كما في تهذيب الكمال.

ورواه أبو نعيم في أخبار أصبهان 2/ 279 من طريق المسعودي، عن عبدالملك بن عمير، عن أيمن بن خريم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعم الفتى خريم لو قص من شعره وأخذ من إزاره ) )، فقال خريم: لا يفارق شعري أذني، ولا إزاري كعبي )) . والمسعودي اختلط بأخرة، ولم يذكر مسكين بن بكير ممن روى عنه قبل اختلاطه.

3 -ما رواه البخاري في الجهاد، باب مَن قال: خذها وأنا ابن فلان (فتح 6/ 174، حديث 3042) ، ومسلم في الجهاد، باب غزوة حُنين 3/ 1400، 1401، حديث (1776) ، ومسلم في الجهاد، باب غزوة حُنين 3/ 1400، 1401، حديث (1776) عن أبي إسحاق قال: سأل رجل البراء - رضي الله عنه: أوليتم يوم حُنين؟ قال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يول يومئذ، كان أبو سفيان بن الحارث آخذ بعنان بغلته، فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: (( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب ) )واللفظ للبخاري.

4 -ما رواه سعيد بن منصور في الجهاد، باب جامع الشهادة 2/ 302، حديث (2841) ، وابن عساكر كما في السلسلة الصحيحة 4/ 96، 97، رقم (1569) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو يضرب بسيفه في سبيل الله: (( خذها وأنا ابن العواتك ) )انتمى إلى جداته من بني سليم. وصححه الشيخ محمد ناصر الدين في السلسلة الصحيحة بشواهده.

5 -ما رواه الإمام أحمد 5/ 295، وابن أبي شيبة في مصنفه: الأنساء في الحرب 12/ 505، رقم (15426) ، ومن طريقه ابن ماجه في الجهاد، باب النية في القتال 2/ 931، حديث (2784) ، والمزي في تهذيب الكمال، لوحة 1628 من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عبدالرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة - رضي الله عنه -، وكان مولى من أهل فارس، قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحُد، فضربت رجلًا من المشركين، فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي، فبلغت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( ألا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري ) )وإسناده ضعيف، ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وعبدالرحمن بن أبي عقبة (( مقبول ) )كما في التقريب.

ورواه ابن أبي شيبة في المغازي: في غزوة أُحُد 14/ 395 من طريق إبراهيم بن إسماعيل، قال: أخبرني عبدالرحمن بن ثابت وداود بن الحصين عن فارس، مولى بني معاوية ... فذكره بنحو الرواية السابقة، وزاد في آخره: (( وأنت منهم، إن مولى القوم منهم ) ). وإسناده ضعيف، إبراهيم بن إسماعيل (( ضعيف ) )كما في التقريب.

6 -ما راه مسلم في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام 4/ 1707، حديث (2165) عن عائشة مرفوعًا: (( إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ) ).

وهناك شواهد أخرى كثيرة لبعض فقرات هذا الحديث غير ما ذكر، ينظر بعضها في جامع الأصول 9/ 575، 576، و 10/ 658 - 661، ومجمع الزوائد 5/ 132 - 135، وجامع العلوم والحكم، ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت