رجل من يهود عبدًا [1] ، فكنت عنده ورأيت النخل ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق لي في نفسي [2] ، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر، مع ما أنا فيه من شغل الرق [3] ، ثم هاجر إلى المدينة، فو الله إني لفي رأس عذق [4] لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال: فلان [5] قاتل الله بني قيلة [6] ، و الله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي، قال: فلما سمعتها أخذتني العُرَواء [7] حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك.
قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء [8] قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (( كلوا ) )وأمسك يده، فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي:
(1) أي قالوا: إنني عبد، فباعوني إلى اليهودي.
(2) أي رجوت أن يكون هذا البلد هو مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن لم أستيقن أنه هو.
المرجع السابق.
(3) أي شغلني الرق عن ذلك.
(4) العذق: النخلة بحملها. المرجع السابق.
(5) أي يا فلان.
(6) بنو قيلة: الأوس والخزرج، قبيلتنا الأنصار، وقيلة: جدة لهم. النهاية 4/ 134.
(7) العرواء: الرعدة. النهاية 3/ 226.
(8) أي شيء مما يؤكل.