الدرس الرابع والثلاثون
خبر إسلام بعض الجن بالمدينة النبوية
59 -عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه قال: دخلت على أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست انتظره حتى قضى صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت [1] ، فالتفت فإذا حية، فقمت لأقتلها، فأشار إلي أن اجلس، فلما انصرف، أشار إلى بيت في الدار، وقال: أترى هذا البيت؟ قال: فقلت: نعم، قال: إنه كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذنه بأنصاف النهار، ويرجع إلى أهله، قال: فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال له: (خذ سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة) [2] فأخذ سلاحه ثم ذهب، فإذا هو بامرأته بين البابين، فهيأ لها الرمح ليطعنها به [3] ، وأصابته الغيرة، فقالت: أكفف عنك رمحك حتى ترى ما في بيتك، فدخل، فإذا حية عظيمة منطوية على فراشه، فأهوى إليها، فانتظمها فيه، ثم خرج به، فركزه في الدار، فاطربت الحية في رأس الرمح، وخر الفتى [4] صريعًا فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الفتى أم الحية، قال: فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرنا ذلك له وقلنا: أدع الله أن يحييه، فقال: (استغفروا لصاحبكم) ثم قال: (إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإن رأيتم منها شيئا فآذنوه ثلاثة
(1) قال ابن الأثير: (العراجين: جمع عرجون، وهو ساعد العذق، والمراد به هنا: الأخشاب التي تسقف بها السقوف) .
(2) وذلك أن يهود بني قريظة قد نقضوا العهد، فخاف النبي صلى الله عليه وسلم أن يغدروا به.
(3) قال القرطبي: (أي ماله إليها إرهابا ومبالغة في الزجر، وحملة عليه فرط الغيرة، وما كان بالذي يطعنها) .
(4) أي أن هذا الفتى الأنصاري طعن الحية بالرمح حتى خرج الرمح من جانب الحية الآخر، فنشبت الحية في الرمح، ثم أخذ الرمح وفي رأسه الحية، فركزه في داخل بيته، فتحركت الحية وهي في رأس الرمح، فماتت، ومات الفتى أيضا عند موت هذه الحية.