الصفحة 165 من 259

نيرانها، فقلت: يا أبا حنظلة [1] ! فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي، فقلت: هذا و الله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش، قال: فما الحيلة، فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: و الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة [2] ، فركب ورجع صاحباه، فخرجت به، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين، فقالوا: ما هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا: هذه بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها عمه، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رآه على عجز البغلة عرفه، فقال: و الله عدو الله ، الحمد ÷ الذي أمكن منك، فخرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودفعت البغلة فسبقته بقدر ما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمتُ عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر، فقال: هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه، في غير عقد ولا عهد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: قد أجرته يا رسول الله ، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: و الله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر، قلت: مهلًا يا عمر، فو الله لو كان رجلًا من بني عدي ما قلت هذا، ولكنه من بني عبد مناف، فقال: مهلًا يا عباس، لا تقل هذا، فو الله لإسلامك حين أسلمت كان أحب إليَّ من إسلام أبي الخطاب لو أسلم، وذلك أني عرفت أن إسلامك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس! اذهب به إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتنا به، فذهبت به إلى الرحل، فلما أصبحت غدوت به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ فقال: بأبي وأمي ما أحلمك، وما أكرمك، وأوصلك وأعظم عفوك، لقد كاد أن يقع في نفسي أن لو كان إله غيره لقد أغنى شيئًا بعد [3] ، فقال صلى الله عليه وسلم: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ فقال: بأبي وأمي ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك، وأعظم عفوك، أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيء، قال العباس: فقلت: ويلك، أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك، فشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، قال العباس: فقلت: يا رسول الله ! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا، فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. فلما انصرف إلى مكة ليخبرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احبسه بمضيق من الوادي عند حطم الخيل [4] ، حتى تمر به جنود الله ، فحبسه العباس حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمرت القبائل على راياتها، فكلما مرت راية، قال: من هذه؟ فأقول: بني سليم، فيقول: ما لي ولبني سليم، ثم تمر أخرى، فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، فلم يزل يقول ذلك حتى مرت كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق [5] ، قال: من هذا؟ فقلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء قِبَل، و الله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم لعظيم، فقلت: ويحك يا أبا سفيان! إنها النبوة، قال: فنعم إذًا، فقلت: النجاء [6] إلى قومك، فخرج حتى أتاهم بمكة، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا معشر قريش! هذا محمد، قد أتاكم بما لا قبل لكم به، فقامت امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الحَمِيت الدَّسِم الأحمس [7] ، قُبِّح من طليعة قوم [8] ، فقال أبو سفيان: لا تغرنكم

(1) وهي كنية أبي سفيان.

(2) أي مؤخرتها.

(3) يقول: لو أن آلهتنا التي نعبد آلهة حقًا لنفعتنا ونصرتنا.

(4) وهو موضع تتزاحم فيه الخيل حتى يحطم بعضها بعضًا.

(5) أي لا يرى من أحدهم سوى وسط عينه، وقد قيل: سميت هذه الكتيبة (( الخضراء ) )لكثرة الحديد الذي معهم والذي يلبسونه.

(6) النجاء: السرعة.

(7) الحَمِيت: زق السمن - وهو الوعاء الذي يوضع فيه السمن وهو من الجلد -، والدسم: كثير الودك، والأحمس: الذي لا خير عنده. وأرادت بهذا التشبيه وهذا الوصف أن تصفه بأنه كثير اللحم والشحم ولا خير فيه. ينظر: الروض الأنف 4/ 158.

(8) الطليعة: هو الذي يتقدم القوم، لينظر أمر عدوهم، ثم يرجع إلى قومه فيخبرهم بحقيقة الأمر، كالجاسوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت