الصفحة 40 من 100

ومنهم من يرفع [1] غيره رياءً، فيرفع نفسه، فيقول:"لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان، لما بلغني عنه كيت وكيت"، ليرفع نفسه، ويضعه عند من يعتقده، أو: يقول:"فلان بليد الذهن، قليل الفهم"، وقصده مدح نفسه، وإثبات معرفته، وأنه أفضل منه.

ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة، فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد، وإذا أثنى على شخص، أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو: في قلب حسد وفجور وقدح، ليسقط ذلك عنه.

ومنهم من يُخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليُضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزء به.

ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول:"تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت! ومن فلان كيف وقع منه كيت؟! وكيف فعل كيت وكيت؟!"فيخرج اسمه في معرض تعجبه.

ومنهم من يخرج (الغيبة مخرج) الاغتمام، فيقول:"مسكين فلان، غمني ما جرى له، وما تم له"، فيظن من يسمعه أنه يغتم له، ويتأسف، وقلبه منطوٍ على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.

ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر، والله المستعان) [2] .

قال الله تعالى في تحريم الغيبة: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [3] .

قال ابن عباس-رضي الله عنهما-: (إنما ضرب الله هذا المثل للغيبة؛ لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغيبة حرام في الدين وقبيح في النفوس) .

وقال قتادة-رحمه الله تعالى: (كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا، كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيًا) .

(1) -كذا في الأصل، لعل: (يضع) .

(2) -انظر: (مجموع الفتاوى) (28/ 237/138) ، و (الإحياء) (3/ 142/143) ، و (الأذكار) للنووي (290/ 291) .

(3) -سورة الحجرات، الآية (رقم:12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت