الصفحة 40 من 44

«طلب الشهادة مَقصَدُ الأفراد وليس الجماعات»

قال المثنى بن حارثة، عن أن موقعة الجسر التي قُتِلَ فيها أمير الجيش أبو عبيدة الثقفي:"هلك قومٌ لم يروا لهم مقصدًا إلا الشوكة".

وسبب هذه المقالة البديعة الحكيمة أن أبا عبيدةَ الثقفي لما وصل بالمسلمين إلى مقابلة الفرس، وحال بينهم وبينه نهر، وعليه جسر، فأرسل الفرس إليه:"إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم."فقال المسلمون لأبي عبيدة:"أُؤمرهم فليعبروا إلينا."فقال:"ما هم بأجرأ على الموت منا."ثم اقتحم عليهم، فاجتمعوا في مكانٍ ضيق هنالك فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يعهد مثله، والمسلمون في نحو من عشرة آلاف، وانكشف المسلمون في آخر الأمر بعد أن قُتِلَ الأمير ومن وراءه من الأمراء إلى سبعة، كان قد نصَّ عليهم أبو عبيدة واحدًا بعد واحد، فقُتِلَ من المسلمين نحوًا من أربعة آلاف، واستلم الإمارة المثنى بن حارثة. وقد تعلم المثنى هذا في الموقعة التي تليها وهو موقعة البويب، فإنه لما فصل بينهم الفرات قال الفرس:"إما أن تعبروا إلينا أو نعبر إليكم."فقال المسلمون:"بل اعبروا إلينا."ولما هُزِمَ الفرس تدافعوا إلى الجسر ليعبروا هاربين، وقف المثنى على رأسه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون فكان قتلى الفرس يومها قتلًا وغرقًا نحوًا من مئة ألف.

والقصد أن مَقصَدَ الشهادة مقصدٌ شريف يُسعى إليه، لكن لا يجوز أن يكون من أعمال الإمارة يرمي بها الأمراء جنودهم إليها، بل الواجب هو حفظهم واستبقائهم وعدم إلقائهم في التهلكة، ولذلك لا يُصار إلى العمليات الإستشهادية من قِبَل أمراء الجند إلا عند الضرورة، وإلا فمقصد الأمراء هو تحقيق النصر والتمكين، وهذا هو مقصد الجهاد اليوم، فإن جهاد طوائف سابقًا كان له مقاصد عدة منها النكاية وإظهار الدين والإثخان في طوائف الكفر وكبرائهم، وهي مقاصد تلتقي مع الأعمال الاستشهادية ابتداءً في فقه البعض، لكن الجهاد اليوم له مقصد التمكين والسلطان وتحقيق النصر والظفر، وهذا يقع بالعناية الملازمة من الأمراء للجنود من مهاجرين وأنصار، وفي مثل هذه الوقائع تُستَخدَم كلمة الفاروق للأمراء:"لا تستعملوا البراء على الجيش، فإنه مهلكة من المهالك يعدم بهم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت