فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 198

الحروب، ويشعلون النيران حولك، وهي مقدمات تحصيل الغايات والأهداف، فالحق مبتلى من خصومه، لكن شدة الابتلاء يعني صحة الطريق الموصل إلى النصر والرضى الإلهي.

وهذه الآية: (وَإِذَا رَأَىكَ الّذِينَ كَفَرُوَا (تعلمنا امتحان مصداقية الآخر في دعواه، وذلك من خلال رؤية تطبيقاته لمبادئه حتى لو كانت غير صحيحة في أصلها، فإن إلزام الآخر بما يقول أدعى في نقض صدقه. وهي كذلك تعلمنا أن الباطل لا يكشف من داخله دون طرح الحق الذي يقابله، فإن إنشاء الآلهة الباطلة أمر نفسي، حيث يكون تعظيمها في قلوب أصحابها، ونقض هذا الوهم لا يمكن تحقيقه في مستواه النفسي إلا بقول الحق الذي يقابله، وهو الدعوة إلى الله الإله الحق، فيصدم الباطل وتتهاوى دعواه في نفس صاحبه إن كان مجرد الوهم هو الذي يحكمه لا الكبر والاستعلاء. وهي كذلك ترفع الخصومة بين الداعي وأعدائه من وضعها الشخصي كما يحاولون ذلك، حيث استهزئ به، إلى خصومة بينهم وبين الله مرسل الرسل، إذ يقول الله: (وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (، فجعل إجرامهم ليس مجرد الاستهزاء بالداعي إنما كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية، فالعداء حول القيم ابتداءً، ولا يسمح بجره إلى الأشخاص كما يريدون بالاستهزاء والطعن والتنقيص في حامل الكلمة أو المجاهد، لأن هذا أسلوبهم المتبع دومًا من زعمهم عدم معاداة الحق وإنما معاداة من يتلبس بالحق من أجل مقاصده كما يزعمون، فيبدأ الداعي بالإنشغال في رد التهمة الشخصية، وتطرد الحالة حتى تنسى المبادئ والقيم. فالخصومة في الله، ويجب ابقاؤها هكذا، حتى يفوت على المجرمين خدعتهم ومكرهم بالناس، وهذا يتم حول سؤالهم دومًا: لمن الحكم؟ ومن الإله الحق الذي يجب أن يعبد ويطاع؟

قوله تعالى: (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ? وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ? لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ [1]

حين ينذر الإنسان باليوم الآخر ولقاء الله تعالى، وحين ينذر بعذاب الله في الدنيا بنزوله عليه فإن الكافر يشكك في مواطن كثيرة بسؤاله المنكر للحقيقة: متى؟ وسبب هذا هو جهله بالعواقب، واغتراره باللحظة الراهنة، وغفلتهم عن العواقب، فهذا هو الإنسان في أصل خلقته كما قال تعالى: (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ (؛ وكون الإنسان كذلك يعني أن يأتي الشرع الإلهي بتقويمه، فإن الشرع كما ذكر في مواطن أخرى لا يأت على وفق عثرات الإنسان وضعفه كما تبنى المبادئ الوضعية الجاهلية، لكن الشرع يقوم ضعف الإنسان ومزالقه، ومن ذلك العجلة،

(1) الأنبياء:37 - 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت