فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 198

فقد أمر بالصبر والأناة، كما أمر بمراعاة السُنَن لتحصيل المقصود، وهي التي لا تحصل إلا بوجود عامل الزمن كالولادة والبلوغ وإثمار الأشجار وغير ذلك مما هو مطلوب للإنسان ومحبوب له.

والاستعجال ضعفٌ بشري، إذ فيه فترة في الإرادة، وقلة بصر بالأمور، وتحول عن المقاصد الشريفة ببنيات الطريق وسفاسفها، وقد نهى عنه رسول الله (بقوله في حديث خباب بن الأرت:(( وَلَكِّنَّكُّمْ تَسْتَعجِلُوُن ) ). والإقامة على الشيء حتى يبلغ مقصده، وتتحقق معالمه هو الصبر، وهو قسمان أولهما: الصبر على العمل الذي يحقق المراد، وثانيهما الصبر على عامل الزمن اللازم لانضاجه، إذ في أحوال كثيرة لا يكون للعامل إلا الإنتظار حتى يأتي موعد الآخر ليقطف. والانسياق وراء ضعف ومرض الإستعجال حالة طفولية يقع فيها الأطفال وأشباههم الذين لم يخبروا الحياة، ولم تعركهم تجاربهم، كما يقع فيها ضفعاء اليقين على الوعود فتبهرهم مغريات الطريق فيجلسون على زهرتها الذاهبة حيث يتلهون بها عن معالي الأمور الموعودة لأمثالهم في خاتمة المسير، كما ينجرُّ إليها مُخَنَّثي الإرادات الذين تُكسَرُ هِمَمَهُم أمامَ الفتن اللازمة للثبات وتحمّل تبعات الرحلة.

هذا ولم يجعل الله تعالى أمرًا في هذه الحياة يناله المرء إلا بالصبر والبراءة من مرض الاستعجال والثبات على المبدأ الذي حمله من بداية الطريق، وهذا أمر مطرد في مطالب الدنيا والآخرة؛ ففي هذه الآية يقول تعالى: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (وفي سورة النحل في مطلعها يقول الله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (، وهي آيات تنهى عن هذا المرض الإنساني الأثيم الذي يضيع عليه الدار الآخرة بما يرغب من زهرة الدنيا العاجلة.

ونهيُّ القرآن عن الاستعجال يعني أن الخير كله في هذا الوجود وفي الآخرة لا يكون إلا بعد رحلة، ولا يتحقق إلا بصبر وثبات ويقين، فالذي يطلب أجر عمله وإجابة دعائه وذهاب العسر وتأويل رؤياه شرط بلوغه ذلك عدم الإستعجال، فكل هذه وغيرها وعود ربانية في كتابه وعلى لسان رسوله (، والله ? يبذلها في أول الطريق، ثم تبدأ الرحلة صانعة الوعد على وفق سُنَن إلهية وحكمةٍ ربانيّة حتى تصل إلى نهايتها التي قع فيها الوعد وتتحقق البشائر والخيرات، وحينها يحمد القوم السرى، ويقول المؤمنون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ (.

وقوله تعالى: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي (على معنيين بحسب السياق؛ آيات يوم القيامة، وآيات العذاب الدنيوي، والأولى أولى بحسب السياق، فإن الآية التي تليها تتحدث عن وعد يوم القيامة، هذا مع أن آيات العذاب الدنيوي هي من علامات يوم القيامة بالنسبة لمن نزل عليهم القرآن من قريش، فإن ما حصل لهم من هزائم، ثم من مات من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت