فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 198

كبراءهم، ثم ما فتح الله به على المؤمنين مكة هو كله من ايات يوم القيامة، وهي من الوعد الإلهي للمؤمنين وللوعيد الإلهي لهم.

وهذه الآية حين تجمع مع قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ (يدل على أن الفعل له ظهوران، ظهور خفي، وذلك من خلال مقدماته اللازمة له، وظهور معالم الشيء والتي هي جزءٌ منه، وأهل الفراسة هم من ينظر إلى الأول ويراعيه ويفهمه، وأما رؤية معالم الشيء والتي هي جزء منه فمرتبة أدنى مع أن بعض العميان لا يرونها حتى تحل بهم بكاملها.

ومما يُقرّب لك الأمر أن يعقوب (لما قص عليه يوسف (رؤياه علم أن سيكون لها مقدمات لازمة لها فقال: (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا (، فهذه المقدمات وإن كانت ليست جزءًا من الشيء إلا أنها لازمة له، ولا يكون الشيء إلا بها، ففي شرط له مع أنها خارجة عنه، ثم يكون الشيء، حيث تظهر علائمه حتى يتم ويستوي.

فكون النبي مُحَمَّد (آخر الرسل يعني أن الحياة آذنت على صرم، وتمت واستوت، فأُمّته آخر اليوم وليس بعدها إلا يوم القيامة، وحيث هي كذلك فإنها منصورة على أعدائها باقية حتى يأتي أمر الله تعالى.

فها هنا يقول الله: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي (وفي النحل يقول: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ (ذلك بأن قدوم شرط الشيء يعني قدومه، والشيء لا يكون قدومه على وجه حسن إلا إن كان له من البيئة ما يتلاءم معه، وإلا فهو ذاهب حتى لو تم من جهة نفسه، ولذلك فإن الأمر لا يكفي تمامه ليستقر، بل لا بدّ من تمام البيئة المحيطة له كذلك ليدوم، ومن تفكر في قصة يوسف (علم هذا على وجهه، كذلك من تفكر في وقائع أحداث المدينة بين الأوس والخزرج وقتل كبرائهم في بعاث قبل هجرة الرسول (علم أن الله إن أراد شيئًا هيّئ له أسبابه وتلك حكمة الله تعالى وتدبيره.

وقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (، وهذا من استعجالهم الجاهل، فإن المرء حين يصدق خبرًا ويكون فيه النذر فإنه ينشغل بالإعداد له والخوف منه، أمّا أن يرده لعدم قدومه، فهذه جهالةٌ وسفاهة، وهؤلاء الكفرة لما رأوا أن وعد الآخرة وقيام الساعة قد أنذرت به كل الرسل ولم يحصل إلى يومهم ذهبوا يكذبونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت