فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 198

كما قال تعالى عنهم: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ? لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (وكقوله تعالى عنهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ? لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (. وهكذا يقلب الله الأُمم والأقوام الكثيرة، فيهلك أُمم ويحيي أُمّة، فبدل أن تتعظ الآتية ذهبت تتخذ خلافتها لغيرها سببًا لدوامها وعدم فنائها كما قال تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (.

وقد تَقَدَّم لك كيف ردَّ الله تعالى على تساؤلهم الجاهل هذا في مواطن من كتابه، وأمّا ها هنا فإن الله تعالى لم يرد على سؤال"متى؟"ولكن ردَّ عليهم بكيف سيكون عليهم ذلك اليوم، وهذا يسمونه «جواب الحكيم» كما يقول السكاكيني، فإن هذا ما يجب أن يشغلهم، وهو الأهم لهم، ثم إن هذا جواب الرب ?، فإنه جلّ في علاه غني أن يسايرهم في أسئلة الاستهزاء والإنكار والتكذيب.

فقوله تعالى: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (، ذلك بأن النار المحيطة بهم من كل جانب؛ من أمامهم ومن خلفهم؛ هذا إن كان تساؤلهم عن يوم القيامة، أمّا إن كان تساؤلهم عن العذاب الدنيوي كما يقول بعض أهل التفسير، فإن هذا الجواب يكون بيانًا عقوبة لتكذيبهم آيات العذاب في الدنيا. وفي هذه الآية بيان عجزهم من جهة أنفسهم من دفع العذاب، وكذلك بيان عدم الناصر من غيرهم في هذا، فانعدمت قدرتهم كما انعدم الناصر لهم من غيرهم. ولقد ناسب موضع العذاب في هذه الآية العجز عن الكف وعدم الناصر، فذكر أن العذاب على وجوههم وظهورهم، فإن الإنسان يدفع ما يأتيه من وجهه، ولا يستطيع أن يدفع ما يأتيه من ظهره إلا بالناصر، وإلا ففي آيات أخرى ذكر أن العذاب يأتيهم من جهات أخرى كما قال تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقهمْ ظُلَل مِنْ النَّار وَمِنْ تَحْتهمْ ظُلَل (، وهذا الموطن من سورة الزمر وافق كون المؤمنين في غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، فقوبل الكفرة بظلل النار من فوقهم وظلل النار من تحتهم.

وقوله تعالى: (بَلْ تَاتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ [1]

(1) الأنبياء: 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت