فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 198

وبهذا اجتمع أمران في العذاب، ثم يقع العذاب فجأة، وهذا من مكر الله في أعدائه في الدنيا، وأمّا عذاب الآخرة، فإنه مع بغتته إلا أنها بغتةٌ لا تقع بسبب انتظار، وهي بغتةٌ حتى مع علم المرء بها، فإن شدة آلامها وعظم هولها كاف لتحقيق البغتة التي وصفها الله تعالى، وقد قال الله عن حال الكافرين وهم ينظرون إلى جهنم: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ (، وأمر جهنم مع كل وصف الله تعالى لها في كتابه إلا أن حضورها أمام العين أمر آخر، فكيف حين يدخلها هؤلاء، وها نحن نسمع عن يوم القيامة، ونعلم عنه ما أخبر الله به، وما أخبر به رسول الله (ومع ذلك يقول الله عمن حضره: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (.

ومن رحمة الله تعالى بعباده أن خوفهم من النار، فإن الرحيم هو لاذي يخوف غيره ما يؤذيه ويشق عليه، والنار هي أعظم العذاب، إذ أنها غضبه جلَّ في علاه التي لا رحمة فيها، ونار الناس اليوم في الدنيا هي مخففة عن نار الآخرة، فغمسة فيها تنسي أكثر الناس نعيمًا في الدنيا كل ما ذاقه، والعاقل هو الذي يعمل جهده للنجاة منها، وأشقى الناس هو من استهزأ بها واتخذها مادة للفكاهة والضحك كما يفعل المجرمون، والشيطان يغريهم تحت دعوى الجرأة والشجاعة وعدم الخوف منها، مع ما يعلم الناس من جبنهم، إذ أن هؤلاء المجرمين لو وقف أمام شرطي من الشرطة الظالمة لاصطكت ركبتاه جبنًا وخوفًا، لكنه يستهزئ بآيات العذاب ووصف النار، وذلك لتكذيبهم لها، وهي التي لعظمتها أشفقت الملائكة على نفسها وعلى الناس.

والعبد في هذه الدنيا إن خاف الله وعذابه كان أشجع الناس، إذ أن ما يهدد به طواغيت الأرض الناس ليس بشيء أمام عذاب الله، فخوف المؤمن من ربه ومن عذابه يمنعه من خوف ما سواه، وأما من لم يخف عذاب الله فإنه سيخاف كل تهديد ووعيد يلقاه في دنياه كما قال تعالى عنهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ (، فالمعذب الشقي من كان من أهل النار، والسعيد من عافاه الله منها، فاللهم عافنا واعف عنا يا رحيم.

قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ [1] (

(1) الأنبياء: 41

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت