فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 198

هذا من تطمين قلب رسول الله (ومن كان على طريقته في الدعوة إلى الله تعالى، فإنّه ? لما رد عليهم استهزاءهم، وذلك من جهة نفسه في قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَىكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (فبيّن من أولى بالاستهزاء والضلال، كان قولهم هنا ردًا لآثار هذا الاستهزاء عن قلب رسول الله (، فإن للكلمة آثارها على النفس الصادقة الأمينة، حتى وهو يعلم كذبها وضلالها، فهذه النفوس تأبى التكذيب والاستهزاء، وتتألَّم مما تلاقيه من المكذبين، فتأتي الآيات جابرة لها، لتثبت وتقوى، وذلك بتعليمها أن هذه سُنّة أمثاله من المرسلين السابقين، وأنه ليس بدعًا من الرسل، ولا أن ما يلاقيه شيء آخر غير ما لاقاه اخوانه، والشيء إن أتى من معدنه لا يستغرب، وهذا أمر تكرر ذكره في القرآن؛ أي تذكير الرسول (بسيرة إخوانه من الأنبياء فيما لاقوه وعانوه من قومهم.

ثمّ إن من تمام الجبر والتثبيت أن يذكره العاقبة التي وقعت بالمستهزئين، وذلك بوقوع عليهم ما استهزؤوا به من العذاب والهلكة، فإنهم أنذروا بآيات الله من الاستئصال فجاءهم هذا، وقد تنوع العذاب عليهم الذي استهزؤوا به كما قال تعالى: (فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا (وكان أعداء النبي (أن عذبهم الله بجنوده من المؤمنين فقال لهم وقد رماهم في قليب بدر: (فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا (.

ووقوع العذاب عليهم بما استهزؤوا به هو من وقوع الوعد الإلهي الصادق، كما فيه من العبرة للمعتبر، وهذا يعلمك أن الحقائق لا يضرها الكلمات الباطلة، ولا المعاني النفسية الكاذبة، ولا مشاعر القبول أو الرفض، والقرآن علم المسلمين هذا بقوله: (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ (، والشيطان وجنده حين يشغبون بهذه الأصوات والكلمات إنما يريدونصرف أهل الحق عنه، ويستجيب لهم ضعاف الناس، إذ باستهزاء المجرمين بالحق يصاب مرضى القلوب بالعار الذي يؤمنون به، فيبدؤون بالإنسحاب عنه خجلًا منه، وأما المؤمن فإنه يقول: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (.

وهذا الاستهزاء والسخرية واديهم الذي يتخذونه في كل زمن، وإلى يومنا هذا، إذ تؤلف الأشعار والطرائف ضد الدين وأهله، وضد عبادتهم وزيهم وهديهم الظاهر، بل ويستهزأ بالأحاديث التي يحتجون بها في دينهم كاستهزاء شياطين الإنس اليوم بحديث: (( فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ ) )، أو استهزائهم بالحور العين التي يسعى لها المؤمنون المجاهدون، هذا وقد ذكر الله تعالى أن الاستهزاء بالدين وأهله كفر بالله تعالى كما قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت