فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 198

إنها رسالة الله تعالى إلى رسوله مُحَمَّد (وإلى السائرين على دربه أن الملة الإبراهيمية لا تستقيم في نفس امرئٍ حتى تهون نفسه عليه مما يلاقيه في سبيل الله، فهي عنده من الله، ولله وفي الله، ومن كرامة الله تعالى له ولها أن يشتريها منها ويجعلها تبذل في سبيله.

وقوله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا على إِبْرَاهِيمَ [1] (

هذه مع حقيقة وقوعها كما هي فإن من أعظم ما تريد تجليته لأهل القرآنأن النصر الإلهي للمؤمنين مخرجه انقلاب المحنة منحة، والبلاء نعمة، وهذه على القاعدة القرآنية في قوله تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (، فإن العدو يريد الكيد بالمؤمن، ويريد عذابه، وما يتحقق للمؤمن من معمعة بنيان الخصم هو حصول النعمة له، فيراها الخصم عذابًا، وتكون للمؤمن رحمةً، فقد كان ظاهر النار لأعداء الخليل عذابًا، وكان باطنها له بردًا وسلامًا، وهذه سُنّةٌ جارية مع السائرين على الدرب الإبراهيمي الرشيد، فالشهيد وأنت تراه مضرجا بدمائه، وقد قُطّعت أوصاله وتناثرت أجزاؤه فتظن أن الألم كان شديدًا، وأن عدوه قد حقق المراد منه غيظًا وحقدًا، ولكن الرسول (يقول:(( مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ، إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسِّ الْقَرْصَةِ ) )، ولعلم النبي (بلذة مذاق الشهادة عند أهلها فإنه قال:(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ ) )، وكذلك المحبوس في سبيل الله والمُقَيَّد فإن عدوه يظن أنه حقق الألم فيه، مع أنه يقول كما قال ابن تيمية - رحمه الله:"لو جازَ لي أن أشكر ظالمي على ظلمه لشكرته على سجني"أو كما قال، وصدق والله؛ فإن المبتلى في سبيل الله تعالى تهب عليه النفحات حتى لتأخذه العبرات فرحا بها كأنه زفّ الى عروس، إذ تصبح المعاني حقيقة، فيذوقها ويخوض فيها، فيقشعر بدنه كأنها مسّ حبيب أصاب جلده، وخصمه يقهقه فرحا أنه عذبه، وأنه في النار التي صنعها، وهي والله عنده البرد والسلام والنعيم واللذة.

فهذه السُنّة الربانية مع أهل البلاء تتجدد مع كل شهيد، ومع كل مبتلى، ومع كل قائم لله بحجة على الخلق، وإنما يهرب من هذه المقامات من لا يعرف حقيقة المعاني، ومن كان بهيميَّ الحس بليدَ الشعور، وأصحاب القلوب الواجفة الضعيفة يخافون الوقوف أمام النيران أو أمام الجموع والسيوف، كما أن اسم السجن والقيد يميتهم هلعًا، وهذه مقدمات تحقيق هذه اللذة الإيمانية، إذ لا بُدَّ لمن أراد هذه المراتب أن يحس ألم القيد ورهبة الموقف فيصبر ويثبت ثم تأتيه رحمة الله تعالى وتغزوه نفحات الإيمان. ولو سألت هل هذا وقع لرسول الله (وقد اقتدى بأبيه

(1) الأنبياء: 69

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت