فهرس الكتاب
الخليل (في الثبات، فالجواب نعم، فمن قرأ قصة الحبيب (في هجرته علم كيف صارت نار قريش بردًا وسلامًا على ابن الخليل سدد خطاكم.
ثمَّ لا تنسى أن الصبر هو النصر، فإن الله تعالى وقد قصّ علينا قصة الخليل (فإنه قصّ علينا قصة أصحاب الأخدود، حيث حرقت النار المؤمنين، وقد قال الله تعالى فيها: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (أي الكفرة ممن أوقد النار، إذ جعل الله المقتول هو القاتل، وهو من أعظم النصر، فإن الكل الآن عند ربه، الظالم والمظلوم، ولكن شتان بين مقام الصابرين ومقام المجرمين.
وقد نتساءل ما معنى أن يصرف العذاب عن أحد ثم يقع على الآخر وكلاهما في درب الإيمان والابتلاء، فالجواب أن تعلم أن مراد الله فيك خير من مرادك لنفسك، وليس لك أن تبحث عن لِمَ بل الواجب أن تنظر إلى نفسك وكيف تؤدي عبودية الله فيما أنت فيه، فإن نجوت فليس من أجل نفسك، بل من أجل القيام في ساحة أخرى، وموقعة أخرى تحقق فيها عبودية الله تعالى، وإن ابتليت فمقامك مقام الصبر والدعاء والثبات، وبعض الناس يخطئ في فهم آيات القرآن حين يختار منها الحالة القرآنية التي يحب دون النظر إلى حكمة الله تعالى في الفعل ولا إلى واقعه الملائم له، ولأضرب لك مثالا مع أنها كثيرة، فإن بعض المسلمين يظنون أن قوله تعالى: (لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ (هو حالة شاملة لكل حروب الكفار مع المسلمين، وقد يعجب ويتساءل ويحتار في تفسير وقائع كان الأمر على خلاف هذا، بل كان الكفار هم المهاجمين، والمسلمون يقفون وراء جدر كما وقع في الأحزاب، وهذا الناظر في هذه الآية يغفل عن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (فهاهنا يخبرنا القرآن أن الكفار هم الزاحفون كما وقع في بدر وأحد، ولذلك يجب العلم بوقائع القرآن كلها، ومعرفة كل واقعة وما يلائمها، فإن وصف القرآن في سورة الحشر لحالة القتال كانت حيث وصل المسلمون إلى هذا المستوى من القوة وقد قال النبي (بعد الأحزاب:(( الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلا يَغْزُونَا ) )، فهذه حالات تتلاءم مع واقع القوتين المتصارعتين.
ومثل هذا فهم بعضهم لقوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ (فلا يتصور أحدهم في الجهاد وعلى كل أحواله إلا هاتين الحالتين؛ النصر أو الشهادة وهذا خطأ، فهذه مرحلة متقدمة حيث نزلت سورة التوبة، وقد بلغ المسلمون يومها أن يتوجهوا إلى الروم وليس فقط إلى داخل الجزيرة العربية، والله يقول قبلها في وقت نزول أحد في سورة آل عمران: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (فكان يومها