فهرس الكتاب
اختيارات قَدَريّة أخرى غير النصر والشهادة، وهي حالة الصبر، إذ يدخل فيها البلاء بكل أنواعه كالسجن أو الجلد أو النفي، ولقد سمعت ورأيت من يشكك في وعود القرآن بسبب جهل هذا المعنى القرآني، كما أن بعضهم يشكك بالاختيار الإيماني في مواقف حين لا يتحقق ما يظن من العاقبة في الموقعة، وهو خطأ من الجهتين، فإن الواقع الإيماني له عواقب شتّى تتلاءم مع حكمة الله تعالى ومع سُنَنه في الوجود جلَّ في علاه.
فالمطلوب هو الموقف الإبراهيمي من الرشد والثبات والصبر، وترك العاقبة بيد الله تعالى فيما يحب لك، وما يُقَدِّرُ من أقدارٍ في هذا الوجود، وهي أقدارٌ ستنتهي إلى عاقبة واحدة: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (، وقوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ (.
والعبد حين يخلص قلبه لله وطلب الدار الآخرة فإنه يعلم أن ما يتحقق في الأرض من وقائع إنما هي زيادة على الأصل كما قال تعالى: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ (. ومن الفقه الواجب في هذا الأمر أن الآثار المترتبة على الأعمال والمواقف الإيمانية ليست قاصرة على زمن حضور أصحابها، بل هي تمتد بعد موتهم، فإن الخليل (حين أذن بالحج لم يحضر أذانه إلا القليل لكن الله تعالى جعل ملايين البشر من المؤمنين بعده يستجيبون لندائه، وكذلك أفعال زوجته هاجر عند البيت الحرام مع ابنه اسماعيل (، فقد جعل الله أعمالها نسكا من أعمال الحج، فإن أنجى الله الخليل (ليقع له الآثار بعد ذلك من أبنائه الأنبياء كما سيأتي، وما قام بها من أفعال من هجرة تحقق بها بناء البيت الحرام وغير ذلك من الأعمال، فإن السائرين على دربه من التضحية يقيمهم الله صدى إيمان لمن بعدهم، وعلائم جهاد للسائرين على الطريق، فإن الطريق هذا لا تشغله كلمات الإيمان فقط، بل معالمه تقام بكلمات الله وبأولياء الله من الدعاة والمجاهدين والعلماء.
والقصد أن العبودية تعني إسقاط الاختيار، وتمام الاستسلام لأمر الله فيما يدبر لك ويختار جلَّ في علاه.
فإن قيل فما فائدة ذكر عاقبة النصر لإبراهيم (والأنبياء من قبله ومن بعده، فالجواب أن الأنبياء هم واقع الدين كله في أزمانهم، وحالهم هو حال النبي (في بدر لَمّا قال:(( اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ ) )، وغيرهم ليس في هذه المرتبة فقد يهلك الواحد والجماعة ويبقى الدين، كما قتل أهل بئر معونة زمن رسول الله (ولم يكن هلاكهم هلاك الدين ولا زواله، فالممتنع هو هلاك أهل الحق كلهم فلا يبقى أهل الحق والعابدون لربهم، والله ? يحقق النصر لأوليائه كما يكرمهم بالشهادة كذلك.