فهرس الكتاب
ثمّ إن ذكر نصر الله تعالى لأنبيائه ليعلم المهتدين بالقرآن أن الأمر أمره، والقضاء قضاؤه، والكفرة لن تنفذ إرادتهم في أوليائه إلا على معنى يريده كما قال السحرة ? بعد إيمانهم لفرعون: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (، وليعلم المهتدين بالقرآن أن دينه سينتصر، وسيكون دون النصر شهداء يقتلون ويحرقون كما قال رسول الله (لخباب بن الأرت ?:(( كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَاسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِه ) )، فقد كان هذا حال أتباع الأنبياء - عليهم السلام - قبل تحقق النصر النهائي للأنبياء ومن معهم ممن بقي دون تقتيل، فالمسلم الصادق في إيمانه إنما يريد نصر الدين، كما يريد بلوغ الجنان، فالأولى من النصر لا تهمه إن وقعت له ومعه، أو وقعت بعده وكان هو وقودها، ودمه هو نورها.
وقوله تعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ [1]
بهذه الآية تعلم أن كل المشاهد التي صنعوها، والحكم الذي أطلقوه لم يكن إلا «كَيْدًا» ، إذ لم يأتوا بأمر على وجه طلب الحق ولا تحقيقه، بل هي مشاهد مصنوعة وأقوال خداع وأكاذيب. وبها تعلم أن إرادة الله أقوى وفوق كيد أعدائه ومكر المستكبرين والطغاة، وأن الله تعالى حين يترك لهؤلاء بعض الأجل فإن له سبحانه مراد حق في ذلك كما يقول في خاتمة هذه السورة: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (، فاللحظة الراهنة ليست الخاتمة، وكيد الكافرين وطغيانهم وقدرتهم في صناعة أبنية الجحيم لن تحقق لهم الخاتمة التي يخططون لها، فهذه إرادتهم: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا (وهذه الخاتمة: (فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ (.
والقرآن في كل مواطن مواجهة الخليل (مع قومه لم يذكر لنا إلا نجاته وهجرته ثم ما أنعم الله عليه بعد ذلك، ولم يأتِ فيه أيُّ خبرٍ عن قومه وماذا حلَّ بهم. والذي تفيده الآيات فقط أن النصر الذي تحقق للخليل (، والخسران الذي تحقق لقومه هو نجاته من بين أيديهم، وهذه تكفينا، فهي تعلن معنى الهزيمة كما تعلن معنى النّصر في الهدي القرآني، فإن النصر ليس مفهومه حالة واحدة وهي تحقق هلاك الخصم، بل مفهوم النصر أوسع من ذلك، ومعناه هنا هو بطلان إرادة الخصم فيك حين تكون أنت مجال الفعل لضعف قوتك، وهي أعظم خسارة له، إذ كيف تبطل إرادته(كيده) فيك وهو القادر وأنت الضعيف؟ وكيف لا تنفذ مقاصده مع وجود كل أسبابها دون موانع منك؟!
(1) الأنبياء: 70