فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 198

إن الإنسان ليجد العزاء أن يهزم من مثيل له في قوته، أو أن تبطل إرادته فيه لقوة الموانع، لكن أي عزاء سيذهب عنه غيظ قلبه وهو يرى «اللاشيء» كما يراه ينفذ من قبضته؟! إن هذه اللحظة ستقتله، وستهيج عليه آلامًا وآلامًا مبرحة هي أشد عليه من ألم الهزيمة من عدل له، ولذلك قال الله في وصف حالهم: (فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ (، إذ طاشت مقاصدهم، وبطلت إراداتهم، وانماث كيدهم، ولم تنفعهم أبنية الجحيم.

والآية صريحةٌ في هذا المعنى إذ جعلت شق فعلهم: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا (وكان ما يقابلها: (فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ (، فكان معنى الخسارة هو عدم تحقق مرادهم الخبيث.

والله ? وصف هجرة رسوله (بالنصر في قوله: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا (، فكان نجاة الرسول (من أيدي قريش هو النصر، وفيها معنى آخر، وهو أن مقدمة الشيء جزءٌ منه، فلمّا كانت الهجرة مقدمةٌ للنصر كانت كذلك. ثم تأمّل المقابلة في الآية بين الإرادة والفعل، فهم أرادوا فلم تنفذ إرادتهم، ولكن الله جعلهم ولا رادَّ لقضائه.

وإن من معاني هذه الآية العظيمة أن الله تعالى جعلهم الأخسرين لأنهم أرادوا بإبراهيم (كيدًا، إذ كانت هذه العلة، فلم يذكر جلَّ في علاه العلة كفرهم وشركهم، مع أنهما سبب الكيد له (، لكن ربط الخسران بالكيد به يدلك على عظمة مقامه عند الله تعالى، وأن الكيد بأوليائه يحقق الخسران بالمريد الكائد، وهذا تحقيقٌ لحديث الولي: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ.

وقوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [1] (

في هذه الآية معاني:

-أن كيد قومه لم يتوقف بعد نجاته من النار، بل تواصل، ثم تحققله النجاة منهم بعد ذلك بأن هاجر إلى الله تعالى كما قال تعالى في الصافات: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (؛ فإن النجاة لا تكون إلا من كيدٍ وخصومةٍ وعداوة.

(1) الأنبياء: 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت